
الفوضى الخلّاقة… حين تُستنسخ التجربة في الجسد الكَردي السوري
صباح حمدو
منذ أن ظهرت مصطلحات “الفوضى الخلّاقة” و“إعادة تشكيل الشرق الأوسط”، ارتبطت بأروقة السياسة الأمريكية والغربية التي رأت في تفكيك البنى القديمة وسيلة لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي بما يتوافق مع مصالحها العليا.
الفوضى هنا ليست عبثًا، بل مشروع مُحكم يُدار بعقول استراتيجية ومراكز أبحاث تضع السيناريوهات، وتضبط الإيقاع بحيث لا تخرج الأمور عن السيطرة، ولو ظاهريًا.
في هذا النموذج، تُفتح الأبواب أمام اضطرابات مدروسة: أنظمة تسقط، مجتمعات تنقسم، كيانات جديدة تظهر. ولكن خلف هذا الركام هناك دائمًا مَن يرسم الخريطة، مَن يُعيد تركيب المشهد، وفق ميزان المصالح، فيتحوّل الدمار إلى وسيلة لإنتاج “نظام جديد” يخدم القوة المهيمنة.
أما في الحالة الكُردية السورية، فالصورة مختلفة تماماً، ومقلقة إلى حدٍّ كبير.
فالفوضى التي تتسلّل إلى الجسد السياسي الكُردي ليست “خلاقة” بمعناها النظري؛ لأنها تفتقر إلى مَن يُديرها أو يُوجّهها نحو هدف واضح.
هي فوضى بلا مركز، بلا رؤية، وبلا مشروع جامع. إنها تشبه حريقًا اشتعل في بيتٍٍ من الخشب، والساكنون فيه يتجادلون حول مَن أشعل أول شمعة.
الحركة السياسية الكُردية في سوريا، رغم تاريخها النضالي العريق، تعيش اليوم أزمة بنيوية عميقة. الانقسام الحزبي، تضارب المصالح، غياب المؤسسات الفكرية ومراكز الدراسات، وانعدام المشروع الوطني الكُردي الموحد، جعلها أرضاً خصبة لولادة نوعٍ من “الفوضى العشوائية” التي لا تُنتج سوى الضعف والتناحر الداخلي.
وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن تتحوّل الفوضى من وسيلة إلى مرضٍ مزمن، يفتك بالجسد السياسي الكُردي من الداخل.
الفرق الجوهري بين الحالتين
في الفوضى الخلّاقة التي تُديرها الدول الكبرى، هناك هندسة دقيقة خلف المشهد: تُزرع الفوضى لتُنتج نظامًا جديدًا محسوبًا، حتى وإن كان قاسيًا أو ظالمًا، لكنه يخدم هدفًا محددًا.
أما في الحالة الكُردية، فالفوضى ليست وسيلة لخلق واقع أفضل، بل نتيجة غياب التخطيط والقيادة والوعي الجماعي.
هي فوضى مفتوحة بلا خريطة، تُغري المتربصين الخارجيين وتُضعف الداخل؛ حتى يفقد قدرته على حماية نفسه أو الدفاع عن حقوقه.
النتائج المحتملة:
1. تفكك المشروع القومي: حين تنشغل القوى الكُردية بصراعاتها الصغيرة، تتراجع القضايا الكبرى — من الحقوق القومية إلى أمور أقل قيمة.
2. تغلغل القوى الخارجية: الفوضى الداخلية تُسهّل على اللاعبين الإقليميين والدوليين التغلغل عبر وكلاء محليين، وتحويل الساحة الكُردية إلى أداة ضغط في ملفاتهم.
3. ضياع المكتسبات: ما تحقّق خلال العقد الأخير — من اعتراف دولي جزئي، وتطور في البنية الإدارية والثقافية — مهدّد بالانهيار إن استمرّت الفوضى بلا مشروع وطني كُردي موحد.
4. تآكل الثقة الشعبية: حين يرى المواطن الكُردي أنّ أحزابه غارقة في التناحر، وأنّ الشعارات أكبر من الأفعال، يفقد ثقته بالعمل السياسي كوسيلة للتغيير، فيفتح الباب أمام العدمية أو التطرف.
إنّ أخطر ما يواجه القضية الكُردية اليوم ليس العدو الخارجي فحسب، بل الانقسام الداخلي الذي يُنتج فوضى لا “تُخلّق” شيئًا سوى الهشاشة.
وحين تُصبح الفوضى نمط حياة، تفقد الشعوب بوصلتها، وتتحوّل من “قضية تحرر” إلى “ملف إداري” يُتداول على موائد الكبار.
القضية الكُردية اليوم بحاجة إلى عقل استراتيجي جمعي لا إلى أبطال منفردين، إلى مراكز تفكير لا إلى مجالس تكرّر ذات الخطاب، وإلى مشروع وطني جامع لا إلى فصائل تتناحر على المواقع والنفوذ.
إنّ الفوضى الخلّاقة حين تُدار بعقل تُغيّر الواقع، وحين تُدار بالأنانية تُدمّر الذات.
وليس من المبالغة القول إنّ ما يواجهه الكُرد في سوريا اليوم هو مفترق طرق: إما أن تكون هذه الفوضى درسًا لبناء وعي سياسي جديد، أو تكون شرارة انهيار طويل يُبدّد ما تبقّى من حلمٍٍ وطني كان يمكن أن يكون نموذجاً في الحرية والكرامة.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “338”






