آراء

القضية الكُردية في سوريا الجديدة

عبدالله كدو

مرّت سنوات طويلة على اتباع سياسة التنكر للوجود القومي الكُردي التاريخي في سوريا، وهي سياسة بدأت منذ استقلال البلاد، واستمرّت عبر الحكومات المتعاقبة بأشكال ووتيرة متفاوتة، بلغت ذروتها في ظلّ حكم حزب البعث، ولا سيما في عهد الأسدين ذي الطابع العنصري والطائفي.

الغريب في الأمر أنّ السلطات السورية المتعاقبة ومعظم أطياف المعارضة والنخب الثقافية والسياسية كانت متوافقة، بشكلٍ أو بآخر، على تسويق التخوّف من الكُرد وتجاهل قضيتهم الوطنية العادلة ، بما في ذلك الشيوعيون الرسميون الذين طرحوا الحقوق الثقافية للكُرد السوريين – لأول مرة – في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، خاطب الصحفي السوري منير الريس الرئيس شكري القوتلي، في نهاية الحرب العالمية الثانية ، محذّرا من ” الخطر الكُردي القادم “، قائلاً: إنّ “مشروع الأكراد يبدأ من حدود العراق حتى اللاذقية”.

وفي عام 1949، خلال عهد الرئيس حسني الزعيم، قدّم أحد المسؤولين الأمنيين تقريراً، بعد جولةٍ له في منطقة الجزيرة، حذر فيه من “خطر تجمع الأكراد في منطقة واحدة”. وقد شكّل ذلك التقرير الأساس الذي استند إليه المشروع العنصري اللاحق الذي أُقرّ بموجبه قوانين استثنائية بحق الكُرد في عام 1962،  التي مهّدت لاحقاً للإمعان في سياسة اضطهاد الكُرد.

وخلال عهد الوحدة مع مصر، تمّ فرض الإقامة الجبرية على زعماء من الكُرد في دمشق.

جديرٌ بالذكر أنّ السردية التي يروّجها بعض السوريين، ومفادها أنّ الكُرد لم يعانوا من التمييز القومي ولم يُحرَموا من المشاركة في الحكم في مراحل من التاريخ السوري قبل انقلاب البعثيين، هي سردية ساذجة إن لم تكن مغرضة. ذلك لأنّ الشخصيات الكُردية، التي شغلت مناصب رئاسية أو وزارية آنذاك، لم  تمثّل الكُرد، ولم تتبنّ القضية الكُردية، ولم تكن تجيد اللغة الكُردية، ولم تكن على دراية أو ارتباط بالثقافة أو التاريخ الكُرديين.

وباختصارٍ، لم يعيشوا حياة كُردية، وبالتالي فإنّ استخدام أسمائهم وصفاتهم  لإنكار وقوع أي مظلومية قومية ضد الكُرد في تلك المراحل ، هو ظلم آخر يُضاف إلى سلسلة المظالم التاريخية الواقعة بحق الشعب الكُردي في سوريا.كما أنّ وجود تلك الحالات المذكورة، من المسؤولين المنحدرين من أصول كُردية، لا يخفي بأيّ حالٍ من الأحوال مشاريع التمييز القومي التي طُبّقت ضد الكُرد، من تعريب وتهجير وسياسات استهدفت طمس هويتهم القومية والثقافية.

من الجدير بالذكر أنّ الصورة الحقيقية للقضية الكُردية ظلّت غير واضحة عند معظم الوطنيين السوريين غير الكُرد ، في الوقت الذي كانت السلطات وأجهزة مخابراتها مشغولة بها باستمرار لقطع الطريق أمام التغيير الديمقراطي الذي يتطلّب اعتراف كلّ المكونات السورية ببعضها واحترام خصوصياتها و حقوقها، ذلك حتى بداية الثورة السورية في آذار عام 2011، لأنّ العمل السياسي، بما فيه الإعلام ، كان محظورا في معظم المراحل وخاصةً في ظل حكم الأسدين،  لكن بعد أن شارك الكُرد في الثورة السورية، منذ يومها الأول، ممثَّلين بالحركة السياسية الكُردية ومنظمات المجتمع المدني الكُردي والتنسيقيات الكُردية وغيرها، حيث انخرط المجلس الوطني الكُردي وغيره من الكُرد في مؤسسات المعارضة الرسمية، مثل المجلس الوطني السوري و الائتلاف الوطني السوري، و هيئة التفاوض السورية،  عندئذٍ بدأت حقيقة القضية الكُردية تتوضّح أكثر فأكثر عند الوطنيين السوريين من جمهور الثورة.

ولا بدّ من التذكير بأنه قد توافق الممثلون الكُرد مع زملائهم السوريين، في تلك المؤسسات، على صيغ سياسية معينة تتضمّن حلولاً وطنية للقضايا السورية، ومنها القضية الكُردية، حيث نصت هذه الصيغ على الاعتراف الدستوري بالهوية القومية للشعب الكُردي في سوريا وحقوقه القومية.والآن، بعد تحقيق إسقاط نظام الأسد، لا بدّ من أن يتمّ البدء ببناء سوريا الجديدة التي تضمن مشاركة جميع مكونات الشعب السوري القومية والدينية والثقافية ، تلك سوريا التي تحدّدت ملامحها الأساسية في الأوراق السياسية التي توافق عليها السوريون بالتشاور مع الحلفاء الإقليميين والدوليين، ومؤسسات الأمم المتحدة، وبالاستناد إلى روح القرارات الدولية المتعلّقة بالقضية السورية، ومنها القرار 2254.وعليه،  لا داعٍ  للتردد أو التخوف من المزيد من التشاركية ، بعد أن تعرّف السوريون إلى بعضهم خلال المسيرة النضالية الشاقة طيلة سنوات الثورة، داخل الوطن  الذي حوّله نظام الأسد وداعميه إلى ركام المناطق السكنية و مخيمات النزوح، و في كل البقاع التي أوَت الجموع السورية التي ظلّت تتحاور في سُبل الخلاص.

بعد تحرير البلاد من سلطة الأسد، لا بدّ من السعي الحثيث لاجتراح الحلول الوطنية الخلّاقة النابعة من الاجتماع السوري الساعي إلى تمتين الوحدة الوطنية المرتكزة على احترام التعددية بكل تجلّياتها الواقعية..و توسيع المشاركة الديمقراطية في صنع القرار عبر اعتماد صيغ متقدمة من اللامركزية التي ربما وحدها يمكنها الحدّ من حرمان وتآكل الأطراف وطغيان المركز

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “337”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى