
القضية الكُردية في سوريا قضية أرض وشعب
فرحان مرعي
القضية الكُردية في سوريا هي قضية أرض وشعب، ولتحقيق هذا الحق هناك شروط يجب توفرها لدى اي شعب أو جماعة حتى تكون مؤهلة للمطالبة بحق تقرير مصيرها وفق القوانين والشرائع الدولية، ومنها مواثيق الأمم المتحدة الخاصة بهذا الشأن وهي :
١-أن تملك الجماعة لغة وثقافة متميزة أو ديناً متميزاً.
٢-أن يكون هناك إحساس بالتاريخ المشترك بين أفراد الجماعة.
٣-أن يكون هناك تعهد من قبل أفراد الجماعة بالمحافظة على الهوية الذاتية.
٤-أن ترتبط الجماعة بإقليم محدد( الأرض ).
إنّ ما يطلق عليه اليوم ( كُردستان سوريا) هو امتداد طبيعي لجغرافية كُردستان الكبرى، المقسمة بين عدة دول :تركيا، إيران، العراق، سوريا، أُلحق جزء منها بالدولة السورية الحديثة بعد إنهيار الإمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى وتقسيم ممتلكات السلطنة بين الدول المنتصرة وخاصةً بريطانيا وفرنسا، وتضمّ هذا الجزء من كُردستان مناطق كُردية مترابطة على شكل وحدة سياسية وجغرافية في شمال وشرق سوريا وجنوب تركيا الحاليتين، من عفرين وكوباني من محافظة حلب مروراً بتل ابيض (كري سبي) محافظة الرقة ، إلى الجزيرة، محافظة الحسكة بطول ٦٠٠ إلى ٧٠٠ كم٢ تقريباً، وهذه المساحة السكانية التي تقدّر ب ٢٠ ألف كم٢ ذات أغلبية كُردية ، وقدّرت نسبتهم من سكان سوريا ١٥ ٪.
حق الشعوب لا يُقاس بالحجم السكاني، أو الجغرافية الواسعة بقدر ما هو الإحساس المشترك بالتاريخ والثقافة، فمثلاً لوكسمبورغ دولة ضمن الاتحاد الأوربي تتمتع بكامل العضوية السياسية والثقافية ، رغم مساحتها الصغيرة التي تبلغ ٢٥٨٦ كم٢، وعدد سكانها ٦٦٠/ألف، حسب آخر إحصائية عام ٢٠٢٣ ؟!.
الكُرد يشكّلون أحد المكونات العرقية الأساسية في سوريا، يقيمون على أرضهم التاريخية- كما ذكرنا_ في شمال شرق سوريا، ويتوزّعون على كامل الجغرافيا السورية منذ مئات السنين، لهم تاريخ طويل ومعقد، عانوا من سياسات التهميش والإقصاء وتوترات عرقية خلال فترات متعددة من تاريخ البلاد، كما شكّلت مناطقهم الغنية بالثروات الطبيعية، بعداً إضافياً للصراع والسياسات الإستثنائية .
القضية الكُردية في سوريا لا تتعلّق فقط بالأرض والجغرافيا التي يسكنها الكَرد بل تشمل أيضاً العلاقة التاريخية والرمزية بين الكُرد على أرضهم ، بالإضافة إلى مطالبتهم المستمرة في التمتع بحقوقهم الثقافية والسياسية في تلك الأرض،وأيضاً أن هذه القضية ليست قضية محلية فقط بل هي جزء من قضية أوسع تشمل الكُرد في إيران وتركيا والعراق ، حيث هناك مطالبات مشابهة بالأرض والحقوق السياسية.
دخلت القضية الكُردية في سوريا في قلب الأحداث بعد اندلاع الثورة السورية التي تحوّلت إلى حرب داخلية وأزمة وصراع دولي لم تنتهِ بعدُ ، حتى بعد سقوط حكم آل الأسد الذي دام أكثر من نصف قرن.،
خلال هذه الأزمة التي دامت خمس عشرة سنة، لعبت التدخلات والقوى المحلية وإلاقليمية والدولية دوراً مؤثراً في مسار القضية الكُردية مثل تركيا، إيران، نظام الأسد، أمريكا، روسيا، وبعض المنظمات العابرة للحدود ،واستخدمت القضية الكُردية كورقة، لإدارة الأزمة حتى سقوط النظام البعثي في نهاية ٢٠٢٤م ، وكان لهذه التدخلات أثراً عميقاً على الكُرد أرضاً وشعباً،من خلال سيطرة الجماعات المسلحة على الأرض بدعم وتوافق إقليمي مباشر، وتفريغها من سكانها الأصليين بغية التغيير الديمغرافي، والتلاعب بالبنية الاجتماعية والفكرية للمجتمع الكُردي وغزو ثقافي آيديولوجي ممنهج لزعزعة إرتباط الإنسان الكُردي بأرضه، من خلال تضليلٍ إعلامي وشعارات وهمية غير واقعية.
إنّ المرحلة الأولى من الأزمة السورية طويت تماماً بعد سقوط نظام البعث والأسد في سوريا وهزيمة داعش عسكرياً ، وبدأت مرحلة جديدة من الأزمة، بالتزامن مع تحولات كبيرة في الشرق الأوسط، من خلال ضرب أذرع إيران في المنطقة و حربين اثنتين ضدها من قبل إسرائيل وأمريكا، هذه التحولات شملت المناطق الكُرديةو تمثّلت في اتفاقيات محلية سورية ، وتسويات سياسية إقليمية ودولية، أعادت على أثرها النازحين الكُرد إلى مناطقهم في عفرين ورأس العين (سري كانييه) وبدء استلام سلطة دمشق لكامل الجزيرة نتيجة اتفاقيات بين قسد والنظام الجديد، مع هذه التحولات السريعة عادت القضية الكُردية إلى الواجهة مرة أخرى، بعد صدور (المرسوم ١٣) من قبل السلطة المؤقتة في دمشق والاعتراف باللغة والثقافة الكُردية وحرية ممارسة الكُرد لنشاطاتهم وفعالياتهم القومية مثل عيد نوروز وفتح المقرات والمكاتب ذات النشاط السياسي والثقافي ورغم هذه الخطوات الأولية الإيجابية، وتفاؤل الكُرد بها إلا أنّ هذا التفاؤل يشوبه حذر وخوف من تحول القضية الكُردية إلى قضية ثقافية وإدارية وحقوق مواطنة متساوية، وليست كقضية سياسية ودستورية وحقوق قومية مشروعة لشعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية، تزامن ذلك مع تنامي مشاريع وشعارات من قبيل الاندماج الديمقراطي، ومشاريع السلام، طرفٍ يقدّم السلام وطرف يقدّم الإندماج ، دون أفق واضح في حل القضية الكُردية سواءً في تركيا أو في سوريا، مما يُفهم منه أنّ الاندماج الديمقراطي المطروح، ومفاهيم الديمقراطية وأخوة الشعوب التي تتغنّى بها بعض الأطراف في الآونة الأخيرة كثيراً لا يعني سوى الذوبان والإنصهار ، في الدولة القومية المسيطرة؟!
خلاصة القول :القضية الكُردية في سوريا كقضية أرض وشعب تتعلّق بحقوق الكُرد في تحديد هويتهم الثقافية والسياسية في الدستور السوري وكذلك في الحكم في مناطقهم التي يعيشون فيها بالشكل القانوني والاختياري (حكم ذاتي، فيدرالية) ضمن وحدة الأراضي السورية وفي إطار دولة لامركزية تضمن حقوق كل القوميات والاثنيات والطوائف والأديان.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “343”






