آراء

الكرد في سوريا و انقسام أحزابهم

عبدالله كَدّو
إن حالة الانقسام المفرط في الحركة السياسية الكردية حتى اليوم ، تعتبر أحد أهم العوامل التي تحول دون تحقيق أي مكسب سياسي أو اجتماعي أو ثقافي للشعب الكردي في سورية ، فقد تدنت شعبية الحركة بشكل مطرد مع انقسامها الأول في عام 1965 ، الانقسام الذي أدى إلى حدوث شرخ عميق ليس في جسد الحزب الكردي الأول فحسب ، بل امتد إلى جماهيره التي كانت تنتشر على امتداد معظم مواقع تواجد الكرد ، ليحدث انقساما في العائلة والقرية والعشيرة الواحدة ،هذه الأدوات التي كان يتم نشر الوعي والتنظيم السياسيين عبرها ، في ظل شبه غياب للإعلام حينذاك ، و نظرا لحداثة عمر التجربة الحزبية الكردية ، وبالتالي حداثة ، إن لم يكن غياب ، القيم الديمقراطية فيها ومنها قبول الرأي الآخر ، الأمر الذي أضعف قدرة الحزبَين الناجمين عن الانقسام الأول على تنظيم الشعب الكردي و تعبئته للتصدي لسياسة التمييز المتنكرة لحقوقه القومية .
لقد تشعّب الفعل السياسي الحزبي بعد الانقسام الأول ، بالإضافة إلى الشقّ الأساسي المضاد لسياسة الاضطهاد القومي التي ما زال ينتهجها النظام ، إلى شقّ آخر ضد الاختلاف باتجاه الحزب الكردي الآخر( الخصم ) ، ذلك في زمان ومكان أجمع المراقبون السياسيون على أنهما كانا بغنى عن هذا الشكل من الاختلاف ، الذي ما لبث أن تحول إلى صراع سياسي داخلي ( كردي – كردي ) ، واعتبروا ذلك الصراع طفولة سياسية أو ترفاً سياسياً ، إن لم يكن انعكاسا لمصالح فئوية ضيقة أو تدخّل أطراف سياسية اقتضت مصالحها إحداث ذلك الشرخ في الشارع الكردي في سوريا .
إذا كانت تلك هي تداعيات الانقسام الأول ، فما الذي يمكن قوله عن الانقسام العاشر الذي أصاب حركتنا السياسية عشية الثورة السورية الني انطلقت في 15آذارمن عام 2011 ، والتي جاءت بالمجلس الوطني الكردي ، نزولا عند غضب الجماهير، في سعي حثيث من الحركة الكردية لإخفاء صورتها المتكسرة إلى تسعة أجزاء ، هو رقم أحزابها – آنذاك – التي كان يلف معظمها الخمول واللامبالاة فيما كان الشارع مترعا بالجدية و الحيوية لحد الغليان .
إن الجماهير الكردية اليوم ترى أن حالة الانقسام التي بلغتها الحركة السياسية الكردية اليوم ، إنما تعكس المصلحة الضيقة للحزبيين الكرد فقط ، والقياديين منهم بشكل خاص ، بعيداً عن المصلحة العامة للشعب الكردي ، لا بل متصادماَ معها ، و ذلك عكس ما يرد في البرامج السياسية والأنظمة الداخلية للأحزاب الكردية ، حيث إن البرامج السياسية للأحزاب وأساليب النضال المطروحة المتشابهة – إن لم تكن متطابقة – نظريا تتناقض مع هذا التشتت المفرط في هياكل تنظيمية مختلفة ، ولا تترك مبررا البتة لوجود هذا الكم من الأحزاب ، وتفقدها المصداقية السياسية ، الأمر الذي يفسر سبب النظر إلى الحزبي الكردي وسط أقرانه من المستقلين على أنه شخص دون مستوى الشعور القومي وتمثيل المصلحة العامة ، بالتالي دون مستوى القدرة على قول الحقيقة ، و هو متهم بأن نزعته الحزبية المتناقضة مع النزوع القومي تعميه عن حقيقة واقع شعبه ، ليراه كما يريد حزبه – إن لم نقل زعيمه – ما قد يخلق شعوراً بالاغتراب لدى هذا الحزبي – وخاصة إذا كان من القواعد – الذي قد يرى في نفسه المدافع الأول عن القضية ، ليشكل ذلك الشعور بداية اليأس والرغبة في ترك العمل الحزبي ، ويقول لرفاق الأمس لا داع للجري بحثاً عن طلبات انتساب جديدة لشبان وشابات يريدون تجسيد أحلامهم القومية ، ما لم يتم إصلاح البين مع الأحزاب بداية ، ثم مع الجماهير التي سئمت هذا التشرذم الذي يبعث على اليأس والاغتراب لدى الرفاق القدامى .
إن هذه التعددية التنظيمية المصطنعة التي لا تقابلها تعددية سياسية أو فكرية ، تستمد تواجدها الهزيل في أماكن توزع الكرد ، من الروابط العائلية والعشائرية ونحوها ، على الأكثر ، وبالتالي فان هذه التنظيمات تكمل – من حيث تدري أو لا تدري – الدور الذي قامت به الأنظمة المتعاقبة على دفة الحكم في البلاد حتى اليوم ، لتفتيت المجتمع الكردي إلى المكونات الأقوامية ( عوائل و قبائل و مناطق … ) .
إن هذه الأحزاب التي تعتمد غالبا على امتدادات الروابط التقليدية لمؤسسيها وأعضائها من الحزبيين القدامى في عملية اجتذاب الأعضاء الجدد للتنظيم ، تكتشف بعد حين بأن أنظمتها الداخلية غير قادرة على استيعاب هذه العناصر وترويضها وضبطها داخل أسوار التنظيم ، فهي (الأحزاب) سرعان ما تصطدم بحالات التكتل داخل نسيجها التنظيمي الهش غير المؤسسي و الخاضع لتأملات وأساليب ورؤى مجموعة متفاهمة تتواصل من خارج الأطر الشرعية ثم تقرر وتنفذ ، وإذا كانت عملية التكتل في الأحزاب العصرية تعبر عن تمايز سياسي أو فكري أو…إلخ لتيار معين ، فإنها في معظم الأحزاب الكردية إنما تعكس غالبا الروابط التقليدية ، دون السياسية و الفكرية ، التي تشكل نسيجها البنيوي ، لينقلب السحر على الساحر وتبدأ عملية الانشقاق ، ولكن من الطريف في الأمر أنه عندما يستأنف قادة الشقين العمل الحزبي من جديد ، لا يترددون في استثمار نفس الروابط السابقة التي تسببت الانشقاق الأول ثانية ” ليداووها بالتي هي داء “.
من تداعيات هذا التبعثر التنظيمي والسلوك التقليدي لمعظم التنظيمات السياسية ، عزوف شرائح واسعة من المثقفين وغيرهم من المهتمين بالشأن القومي العام عن النشاط السياسي التنظيمي ، لأنها لا ترى مواقع مناسبة لها وسط ما تراها شراذم محافظة معرقلة ورافضة لكل ما من شأنه إحداث ( التجديد ) التي قد تسبب تغييرا لمواقعها .
يجدر بالذكر هنا ، أنه على خلفية هذا الهاجس ناصب بعض من هذه الأحزاب ظاهرة الشهيد معشوق الخزنوي العداء ، حيث الخشية من زج أوسع قطاعات المجتمع في المعترك السياسي ، ما قد يسبب إزاحة رموز وتيارات تقليدية معينة عن المسرح السياسي .
ومن تداعيات هذا التشتت ، عدم تمتع هذا الكم من الأحزاب و خاصة تلك الصغيرة منها بالإمكانات المادية والبشرية للقيام بنشاطات و برامج ثقافية أو اجتماعية معينة ، أو تأهيل كوادر متخصصة متفرغة في مجالات معينة لتمكينها من التواصل مع الجماهير والوقوف على واقعها عن كثب ، وبالتالي القدرة على التفاعل معها وتوجيهها وفق برنامج سياسي قومي واضح .
بناءا على ما تقدم يمكن القول ، إن الرغبة الصادقة في إخراج الجماهير الكردية من الحالة السلبية التي غرقت فيها ، كرد فعل على حالة الركود السياسي التي تعيشها هذه الأحزاب ، تقتضي الاندفاع للقيام بخطوات عملية جادة ومدروسة نحو توحيد التنظيمات المتقاربة سياسيا ، واعتماد نظام داخلي عصري ديمقراطي واضح لانتخاب قيادتها بشكل ديمقراطي نزيه ، بعيداً عن المواربة والصفقات والألاعيب التي طالما مورست من قبل المتنفذين في الأحزاب و التي بعثت على التذمر و الامتعاض لدى الأعضاء وجماهير المستقلين وخاصة لدى الشباب ، والابتعاد عن العمل الحزبي ، واتهامه بالاستزلام لزعماء الأحزاب ، الذين فشلوا في إقناع أغلبية الجماهير بأنهم إنما يخدمون المصلحة العامة وليس مصالحهم الخاصة ، حيث المصلحة ليست بالضرورة أن تكون مادية ، الأمر الذي يفسر سبب عدم ظهور رموز سياسية ولا أحزاب جماهيرية تلتف حولها الجماهير في هذا الجزء من كردستان .
[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى