الكوجر وأنين الرحيل- بعض من عادات الحِداد –

ليلى قمر

في البداية لابدّ من التطرّق ولو باختصارٍ عن الكوجر / الرحَل وطريقة حياتهم المتنقّلة التي هي غالباً مشتركة عند أغلب المجتمعات البشرية ، وهم في غالبيتهم قوم وقبائل رحَل ينتقلون حسب الفصول ، يعتمدون في حياتهم على تربية المواشي والزراعات قصيرة الأجل ، لهم خط ترحال شبه محدّد يتوجّهون إلى مناطق حيث يتوفّر فيها الكلأ والماء ، الحال هذه بدت بهذا الشكل منذ عصورٍ سحيقةٍ بعد تجاوز البشرية عصر القنص والالتقاط وامتازت المجموعات هذه بعد تدجين الحيوانات بأنها تجمعات رعوية متنقلة تعيش على تربية وإنتاج قطعانها ، قابلها مجموعة زراعية آثرت الاستقرار وأخذت تهتمّ بالزراعة وتقتات على محاصيلها ، ووُجِدت بينهم علاقات تبادل المحاصيل والمنتوجات ، وفي المجتمع الكردي سمّوا الرحل ب – كوجر – والمستقرون ب – ديمانا – . الكوجر لم تختلف عاداتهم وتقاليدهم في فكرتها الأساسية عن عادات – ديمانا – سوى ببعض خصائص طبيعة حياتهم المتنقلة مثل فصول السنة ودورة حياة العشب وأيضاً سنوات الجفاف وموسم الأمطار أي أن حياتهم بقيت مرتبطة ومتشابكة مع المستقرين كأساس مشترك لهما ، مع وجود بعض الاختلافات أو الحركات كما في الفولكلور والدبكات، وشكل وأنواع الغناء حيث نلاحظ كمثالٍ رقصة – كوفندي / مل – والحركات السريعة من قفزٍ ونطٍّ ومعها خطواتٍ غير مستقرة / ثابتة تحاكي قفزات الأحصنة ، عكس المستقرين وخاصة خطواتهم المتشبثة بثبات في ساحة الرقص ، وأكثر ما يهمنا الآن ، وما يلفت النظر ، هو مخزون الحنينية الكبيرة التي تتراكم عند الكوجر والتي لها علاقة بترحالهم المستمر مخلّفين ورائهم مواقع وأنهار وجبال وتعوّد أعينهم لمناظر طبيعية خلّابة ، وأيضا تآلفهم مع حيوانات عديدة ، وكثيراً ما يأملون ويعشقون بقعة مثلاً أو تلة ، ومع فقدان أسباب البقاء يغادرون إلى مكان آخر ، حيث يبقون كغرباء من ناحية وعشاق دائمين أيضاً لكلّ الأمكنة التي يمرّون بها أو يستقرّون فيها مؤقتاً ، هذه الحالة التي مدتهم بإمكانية واسعة لخزن وحفظ وتذكر قضايا وأحداث كثيرة ، ووفّرت أيضاً فسحة كبيرة لنسج نمط خاص ومميز لهم ، وإن بقيت كلّها في ذات إطار الثقافة الكُردية ، ومن هنا وكما قلت سابقاً ، فإنّ الحنينية الكوجرية لها لوعتها الخاصة المتولّدة من الترحال فخلقت عندهم لوحات رائعة تحكي قضايا قديمة وعميقة وبشكل يربط المآسي بالأفراح والرحيل بالزواج ، وكذلك الربيع بالخريف والصيف بالشتاء وإن كانت أسفار الرحيل تراجيديا حزينة مؤلمة ، وكلها تحدث كلوحات ومونولوجات تدمع عيون أقسى الرجال والنساء وكأمثلة يمكنني التذكير مثلا بأغنية ( رااكن بينن بييكي دلااالي. . رااكن راوسطينن هاي ناري رااكن .. راوسطينن دلالي … بينن هاي ناري بينن .. كجزء بي دييي بينن )* .. هذه الأغنية التي تشحن آلاماً وأوجاعاً بطاقة فظيعة ، وهناك حالتان تمكّن المجتمع الكوجري في غنائه وبإحساس شديد يمكن التقاطهما فيها ، وقد أصبحتا كترنيمة تردّد لحظة بدء – بربيدي – في إنهاض العروس حيث تقوم اثنتان من أخواتها أو أقربائها اللزم بمرافقتها والجموع ترتّل ( رااكن ) فتمتزج الأصوات بالبكاء والدموع وكأنّ العروس ترحل من عالمٍ إلى آخر وهذه لمسافة محدودة ، ثم ينتقل شكل الغناء إلى أهازيج الفرح والسرور كلما صاروا على مقربة من بيت العريس ، هذه الأغنية ذاتها تتحوّل إلى ترتيلة جنائزية في حالة الحداد على وفاة زوج شاب وذلك من 3 إلى 7 أيام حيث تقعد الزوجة يومياً في مكان عزاء النسوة بعد أن يلبسوها لباس العروس وتبدأ تراتيل الفراق والموت كأغانٍ تدمي القلب وفي توقيتٍ محدّدٍ ومثل زفة العروس من بيت أبيها تبدأ النسوة من جديد تغنين ( رااكن بينن .. ) إلى أن يصلوا القبر وهناك أيضاً تبدأ النسوة بترديد موشحات الحزن والفراق ويعودون بالعروس / الزوجة من القبر إلى مكان العزاء ، وتتفرّع حينها وتتعدّد أشكال موشحات الألم مع تعالي الزغاريد وأيضاً بعض من النسوة الكبار تبدأن بسرد – قولك – حكايات مؤلمة معتبرة تتقاطع مع مفاصل غنائية ومعها تبدأ حالة قص جدائل الشعر ، وهذه الحالة مؤشر عن استجفاف الجمال الى أن تنتهي فترة العزاء ، تلك الأغاني ، أوما يشبه الموشحات هي حقيقة مليئة بتعابير ومونولوجات تهزّ القلوب والوجدان وترسّخ لوعة حارقة والكوجريات تعرفن كيفية ترسيخ وجع الرحيل في العقول والقلوب .. وفي الواقع علينا أن نذكر بأنهم ظلّوا يتناغمون في لحن وتري غنائي ووفير المعاني وبانسجام كلي مع طبيعتهم التي تشبّعت في طباعهم وبعفوية راقية ،فتداخلت فيهم عشقاً هائلاً مثلاً إنّ لتناغم النهر والشجر وكجدائل رائعة التجدّل تستقرّ في جسد وروح كلْ شاب وشابة كوجرية .والكوجر لم يحتفوا بالعروس فولكلورياً فقط بالحنين والفراق والرحيل ، وانما أيضاً كحالةّ متأصّلةٍ وناتجة من حميميتهم مع الطبيعة وتحوّلات الفصول وكذلك موضوع غزارة إنتاج وتكاثر القطيع فقد اعتبروا شهر نيسان ، لا بل جعلوا لكلْ فصل وبعض الشهور ايضاً عروس كرمز لتجدّّد الحياة وكثرتها وكعلاقةٍ واضحةٍ وصريحةٍ بالولادة والتولّد كما البشر والقطيع ونظراً لأنّ كلَّ حياتهم بتفاصيلها مرتبطة بخط مستمر ويمرُّ بمراحل كثيرة مثل الأيام والشهور والفصول ، ولهذا جعلوا من شهر نيسان عروسة ، وهي الأجمل والأقوى كما والأوفر حظاً ، فكانوا لا يخطبون في ذاك الشهر ولا يعقدون الزواج وأفراحهم لقناعتهم بأنّ شهر نيسان لا يقبل عروسة منافسة ، وخرق هذه العادة ستسبب شؤم ، ومن بعض العادات القاسية جداً أيضاً أنّ الزوجة الشابة وأم الشاب غير المتزوج وأخواته لا تغتسلن طيلة سنة كاملة حداداً على وفاة زوج أو أخ أو ابن وكذلك بعضهن لا يبدّلون ثيابهم حتى مضي سنة ، وكما عملوا للمطر عروس – بيك باران – هكذا كانت لفصول السنة الأربعة أيضاً عرائس – دبلا بخير بي بيكا بهاري .. دبلا بخير بي بيكا هافاني. . دبلا بخير بي بيكا بهيظي. . دبلا بخير بي بيكا شفستاني. . )** .. هؤلاء هم الكوجر الذين ملكوا طاقة تخزينية هائلة للتراث والعادات والتقاليد الكُردية ، وهم ، وحتى الآن سجل حافظ لكثير منها ، أرشيف ومخزون أصيل استمدّوه ، وكان لترحالهم الأثر الأكبر الذي منه كانوا يؤسسون لمستقبلهم الجديد أفراحاً حتى وإن فرحا لا يطول ، وهم هكذا عوّدتهم حياتهم أن يفتح لهم دائما خزائن تحفظ لتستقرّ في ذاكرتهم سجلاً نقياً وألماً متحوّلاً من أنينٍ ، إلى ضجيج فرحٍ ربيعيٍ يبقى كما عمر الفراشات ترحل وليسود الحزن من جديدٍ وهكذا ظلّت وستظلُّ تغريبة الكوجر وألم الرحلة المجحفة الأولى وسلخهم عن زوزانهم كفصل الروح عن الجسد تظهر جلياً في كلّ تفاصيل معيشتهم حتى بات هاجس الإرث حدسهم الفياض وشكلوا فسيفسائهم الواعدة أريج حبقٍ مستدام العطر في روح وكيان شعبٍ أقلّ ما يُقال بحقهم إنهم ترسانة عشقٍ وأصالةٍ لمكنون عرقهم إنهم الكوجر التغريبة المستدامة

هامش * : مقطع من أغنية رااكن

….

هامش ** : مقطع من أغنية هيلا دلالي

قد يعجبك ايضا