الكُرد في المنظور الدولي

دوران ملكي

أثبتت الوقائع أنّ الكُرد في العصر الحديث حافظوا على توجّههم العلماني الديمقراطي إذ نبذو الإرهاب والعنف المفرط حتى في ممارساتهم للدفاع عن حقوقهم المشروعة كأمة مضطهَدة والتي يُسمح لها منطقياً ضرب مرتكزات الخصم إلا أنها حافظت على توازنها وبذلك كسبت احترام الأعداء قبل الأصدقاء ولم تبخل الحركة الكُردية التي تاسست بشكلٍ فعليٍ في خمسينيات القرن الماضي من مدِّ جسور الأخوة والعلاقات مع المجتمعين العربي والإسلامي ولم تدخل قط في أحلافٍ تستهدف مصالح الشعوب المجاورة أو المساس بأمنهم من منطلق ردود الأفعال إزاء ممارسات الخصم أو المساهمة في الحقد العنصري والدعوة إلى الكراهية.

لقد أرسى البارزاني الخالد أسس الأخوة والعيش المشترك ونبذ جميع أشكال التطرف والعنف المفرط واعتماد منهج التسامح في التعامل مع الثبات على الموقف إزاء حقوق الكُرد وانتقلت هذه الأفكار إلى المجتمع الكُردي في كُردستان الغربية والتي ظلّت مرتبطة مع فكر الكوردايتي إلى أن توصلت أغلب المجتمعات البشرية إلى الاعتراف بالأمة الكُردية كأمة مضطهدة قائمة بذاتها ومحرومة من حقوقها الإنسانية وتتعرّض إلى أبشع انواع الاضطهادتجلّت هذه الحقائق أكثر فأكثر في بدايات هذا القرن حيث ساهم الكُرد في مواجهة الدكتاتوريات العنصرية الشوفينية في كلّ من سوريا والعراق اذ انضمّوا في العراق إلى التحالف الدولي لإسقاط نظام صدام حسين وفي سوريا قاموا بمواجهة نظام بشار الأسد عبر الانتفاضة العارمة في جميع المناطق الكُردية في سنة2004 والتي بواسطتها تمّ كسر حاجز الخوف في كلّ المجتمع السوري وتحرّرت الإرادات لتتوّج في آذار 2011 إلى ثورة جماهيرية دعت إلى إسقاط النظام ومن ثم إلى مواجهة الإرهاب المتمثل بداعش وأخواتها إذ تحوّل الكُرد في العراق إلى رأس حربة في مواجهة التنظيم الإرهابي شمالاً اثر سقوط الموصل وهزيمة الجيش العراقي فيها وانتهاءاً بدحر التنظيم في آخر جيوبه في شرق الفرات إذ قدّم الكُرد الغالي والنفيس في مواجهة الإرهاب وبات الجميع يعرف هذه الحقيقة لولا بسالة الكُرد بمساعدة التحالف الدولي لما سقطت أسطورة داعش.

إنّ المحيط الإقليمي للكُرد في غالبه يتبنّى الفكر الإسلامي من منطلقات عصبوية توسعية بمذاهبه المتعددة وخاصةً بعد سقوط المنظومة الاشتراكية إذ تنامت الحركات والأحزان الإسلامية ومن رحمها تولّد الإرهاب.

استطاع الشعب الكُردي الصمود والحفاظ على تقاليده العلمانية في مواجهة الأفكار التي غزت جميع المجتمعات الشرق أوسطية والأفريقية وبطبيعة الحال تمّ توجيه التنظيم الإرهابي المشبع بالتطرف والعنصرية إلى كُردستان ليحقّق ما لم تستطع الأنظمة الغاصبة لكُردستان تحقيقه.

أدرك العالم هذه الحقيقة فسارعَ إلى إنشاء حلف عالمي لمواجهة الإرهاب وانضمّت القوات الكُردية في كلٍّ من سوريا والعراق إلى الحلف الجديد وبذلك تحوّلت دماءهم إلى خدمة العالم الحر أجمعتوصّل العالم بعد تضحيات الكُرد إلى حقيقة مفادها حماية الشعب الكُردي في كلٍّ من سوريا والعراق إذ لن يستطيع احد المساس بكرامتهم او هدر دمائهم مهما تعالت الأصوات فكلها جعجعات طاحون فارغ لأن العالم الحر قال كلمته فالصورة التي رسمتها تضحيات الكُرد في عقولهم سوف تُترجَم إلى حقائق في سياسات أغلب الدول المتنفذة عالمياً رغم تشابك المصالح الدولية التي تفعل غالباً فعلها في السياسة ولأن الأمن العالمي يأخذ أهميته أكثر من المصالح الآنية وإن مواجهة الإرهاب أصبحت ضرورة ملحة للجميع مما لايدع مجالاً للشك هي توصّل دول التحالف وخاصةً الولايات المتحدة الأمريكية إلى إنّ من يدير المنطقة خلفاً لها غير الكُرد سيتمّ إحياء داعش من جديدٍ ربّما تحت مسميات جديدة لأن إنشاءه بالأساس كانت لعبة إقليمية.

وأصبح واضحاً للعيان ماقدمته الدول الإقليمية المتنفذة من خدمات للتنظيم الإرهابي عبر سلسلة من الانكسارات الوهمية للجيشين السوري والعراقي أمام التنظيم لإمداده بالمال والسلاح ومدّ شبكة من العلاقات التجارية معه بشكل سري وأحياناً بشكل علني عبر وسطاءولايخفي على أحد العلاقات العلنية بين جبهة النصرة وتركيا التي تتبنّى منهج تنظيم القاعدة والى الآن تعتبرها من المعارضة السورية وتدافع عنها والعلاقات السرية مع تنظيم داعش حيث بدا واضحاً في المسرحية الهزلية في تطهير الشمال السوري من داعش خلال أيام قليلة.

أي قوة سحرية تملكها تركيا لتقضي على التنظيم في حين تحرير مناطق أخرى تحوّلت إلى حرب استنزاف راح ضحيتها الآلاف من المقاتلين وتدمير مدن بكاملهالم يعد خافياً وانكشفت الحقائق وتمّ توضيح الاستراتيجية الأمريكية لي مابعد الانسحاب الأمريكي إذ لايسمح للنظام السوري للدخول إلى مناطق شرق الفرات لأنه سيزيدها تعقيداً كما لا يسمح لتركيا بإنشاء منطقة عازلة بمقاساتها وإنما سيتمّ تأسيس قوات محلية بخصائص جديدة وتحت إشراف أمريكي او دولي ليضمن الأمن الإقليمي وضمان عدم عودة الإرهاب من جديد إلى حين البتّ في الموضوع السوري دولياً.

جميع المقالات المنشورة تُعبر عن رأي كتابها ولاتعبر بالضرورة عن رأي Yekiti Media

قد يعجبك ايضا