آراء

الكُرد في سوريا بين تعدد الأحزاب ووحدة الهدف: هل حان وقت المراجعة؟

د. نورالدين خوشناو

تمرّ سوريا اليوم بمرحلة سياسية مفصلية قد تحدّد شكل الدولة لعقود قادمة. ومع استمرار النقاشات حول الدستور الجديد ومستقبل النظام السياسي، يجد الكُرد أنفسهم أمام فرصة تاريخية للدفاع عن حقوقهم القومية والثقافية والسياسية ضمن سوريا جديدة تقوم على المواطنة والشراكة.

لكن في الوقت نفسه يبرز سؤال مهم، يطرحه كثير من المواطنين الكُرد: هل يساعد الواقع الحزبي الحالي على تحقيق هذه الأهداف أم أنه يضعف الموقف الكُردي في لحظة تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من التوافق؟

لا أحد يعارض التعددية السياسية، بل أنّ وجود أحزاب متعددة هو جزء طبيعي من أي نظام ديمقراطي.

غير أنّ المشكلة لا تكمن في عدد الأحزاب بحد ذاته، بل في غياب رؤية مشتركة حول القضايا المصيرية التي تمسّ مستقبل الكُرد في سوريا

فعند النظر إلى برامج معظم الأحزاب الكُردية، نجد أنّ المطالب الأساسية متشابهة إلى حد كبير. الجميع يتحدّث عن الاعتراف الدستوري بالشعب الكُردي، وحماية اللغة والثقافة الكُردية، وضمان المشاركة السياسية، وتحقيق العدالة والمواطنة المتساوية. لذلك يتساءل كثيرون: إذا كانت الأهداف الكبرى متقاربة، فلماذا يصعب الوصول إلى موقف سياسي موحد في القضايا الأساسية؟

قد تكون هناك اختلافات في الأساليب والرؤى والعلاقات الإقليمية، وهذا أمر طبيعي. لكن المرحلة الحالية تتطلّب التمييز بين التنافس السياسي المشروع وبين القضايا المصيرية التي تحتاج إلى موقف مشترك. فالتاريخ يعلّمنا أنّ الشعوب لا تحقّق مكاسبها الكبرى من خلال كثرة التنظيمات، بل من خلال قدرتها على التوحد حول الحد الأدنى من المطالب المشتركة.

وتزداد أهمية هذا الأمر مع اقتراب مناقشة شكل الدولة السورية الجديدة. فالقضايا المتعلقة بالهوية الدستورية واللامركزية والحقوق الثقافية والسياسية لن تُحسم عشرات المرات، بل ربما تكون هناك فرصة تاريخية واحدة لرسم ملامح العقد السياسي الجديد في البلاد. ومن هنا فإنّ الدخول إلى هذه المرحلة بمواقف متفرقة قد يقلّل من القدرة على التأثير في القرارات الكبرى

ولا يعني الحديث عن الوحدة السياسية الدعوة إلى إلغاء الأحزاب أو دمجها في إطار واحد. فالتعددية ستبقى حاجة ديمقراطية ومصدراً للتجديد السياسي. لكن ما يحتاجه الكُرد اليوم هو الاتفاق على مجموعة من المبادئ الأساسية التي تمثّل الجميع، بغضّ النظر عن الانتماءات الحزبية.

ومن المفيد هنا التذكير بأنّ التجارب السياسية الناجحة غالباً ما اعتمدت على التوافق في القضايا الوطنية الكبرى، حتى عندما استمرّت المنافسة الحزبية في القضايا الأخرى. فالتنوع السياسي لا يتناقض مع وحدة الموقف عندما يتعلّق الأمر بمصير شعب أو مستقبل منطقة بأكملها

أما المواطن الكُردي العادي في القامشلي أو الحسكة أو كوباني أو ديرك، فغالباً ما ينظر إلى الأمور من زاوية مختلفة. فهو لا يفكّر كثيراً في عدد الأحزاب الموجودة بقدر ما يفكّر في مستقبله ومستقبل أطفاله. يريد مدارس أفضل، وفرص عمل أكثر، واستقراراً اقتصادياً، وخدمات أفضل، وأمناً يضمن له البقاء في أرضه بدل التفكير بالهجرة.

فالناس في نهاية المطاف تريد حياة كريمة قبل أي شيء آخر. وهي تتطلّع إلى رؤية القيادات السياسية تتعاون في القضايا الكبرى بدلاً من أن تبقى الخلافات هي العنوان الدائم للمشهد السياسي

ربما لا توجد إجابات سهلة على كل هذه الأسئلة، لكن من حق الناس أن تسأل: هل يمكن للكُرد أن يكونوا أكثر قوة وتأثيراً إذا تحدّثوا بصوت واحد في القضايا المصيرية؟

وهل يمكن تحويل التنوع الحزبي إلى مصدر قوة بدلاً من أن يكون سبباً في التشتت؟

في هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخ سوريا، تبدو الحاجة أكبر من أي وقت مضى إلى حوار كُردي جاد ومسؤول يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة. فالأجيال القادمة لن تتذكّر عدد الأحزاب التي كانت موجودة، بل ستتذكّر ما إذا كان الكُرد قد نجحوا في استثمار هذه اللحظة التاريخية لحماية حقوقهم والمساهمة في بناء سوريا مستقرة وديمقراطية تتسع لجميع أبنائها

فنحن لا نعيش إلا مرة واحدة، والشعوب أيضاً لا تحصل دائماً على فرص كثيرة لصناعة مستقبلها. لذلك قد يكون السؤال الأهم اليوم ليس: كم حزباً لدينا؟ بل: ماذا نستطيع أن نحقّق معاً؟

 

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “٣٤٥”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى