الكُرد في سوريا والدستور الجديد

حسين عمر

مدخل:

يُشكّل الدستور القانون الأساسي والأعلى الذي يحدّد شكل ومضمون أيّ دولة. على مستوى الشكل، يحدّد الدستور أن تكون الدولة بسيطة بمعنى مركزية، أو مركّبة بمعنى فيدرالية بمستويات تختلف حسب التطوّر التاريخي لكلّ دولة. كما أنّه يحدّد نظام الحكم في الدولة من رئاسي (كما هو الحال في أمريكا، مثلاً) أو برلماني (بريطانيا، مثالاً) أو مختلط (فرنسا، نموذجاً). كما يحدّد الدستور طبيعة العلاقة بين السلطات الرئيسية في الدولة ويرسم حدود حقوق وواجبات الأفراد كمواطنين والجماعات كمكوّنات تتنوّع في انتماءاتها الاثنية أو المجتمعية.

خلفية تاريخية في تشكّل الدولة السورية:

تشكّلت الدولة السورية وحُدّدت حدودها السياسية (التي تغيّرت لأكثر من مرّة) بموجب اتفاقيات تقاسم النفوذ بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى وعلى نحوٍّ خاصّ بين فرنسا وبريطانيا.

كانت بواكير تشكّل الدولة السورية، في عهدها الملكي، تُظهر بوضوح الهوية غير المتجانسة وغير المتماسكة سياسياً، ليس فيما يخصّ الكُرد كمكوّن قومي لم تُلحق مناطقه بالدولة السورية إلا في مراحل متأخّرة من عهد الانتداب الفرنسي، بل وحتى فيما يتعلّق بالأقاليم العربية. وقد ارتسم ذلك في الطابع الكانتوني للمملكة السورية، فالدستور الأوّل للمملكة، الذي أقرّه «المؤتمر السوري العامّ» ونُشرِ في 13 يوليو/تموز 1920، كان ينصّ في المادّة الثانية من الفصل الأوّل على أنّ «المملكة السورية تتألف من مقاطعات تشكل وحدة سياسية لا تقبل التجزئة». وعلى الرغم من اعتبار المملكة «وحدة سياسية لا تقبل التجزئة» إلا أنّها كانت تتألّف من «مقاطعات». لكن النظام الفيدرالي الصريح في سوريا تمثّل بإعلان هنري غورو في 28 يوليو/تموز 1922 حينما نصّ على ولادة الاتحاد السوري على أساسٍ فيدرالي بين دولة دمشق ودولة حلب ودولة جبل العلويين ولم يُحلّ هذا الاتحاد الفيدرالي إلا في 15 ديسمبر/كانون الأوّل 1924 بقرارٍ من المفوّض السامي الفرنسي مكسيم فيغان حينما أعلن قيام «الدولة السورية» كحصيلة لدمج دولتي دمشق وحلب بعد فصل دولتي جبل العلويين وجبل الدروز عنها وفك لواء إسكندرون عن ولاية حلب.

كردياً، في عام 1930، قدّم عشرون وجيهاً كردياً من مختلف المناطق الكردية في سوريا (بينهم نجيب برمدا، النائب عن منطقة حارم التابع لمحافظة إدلب الحالية) إلى المفوّض السامي الفرنسي طلباً بمنح الكُرد وضعية خاصّة أسوةً بالمناطق السورية الأخرى، وقد وُثِّق هذا الطلب في ديوان المفوّض السامي في الخامس عشر من شهر أبريل/نيسان 1930، تحت رقم 6501.

المركزية الإدارية والعرقية:

شهدت الدولة السورية مرحلتين في عملية التحوّل نحو المرْكَزة. تمثّلت المرحلة الأولى بالتحوّل إلى المركزية الإدارية، وذلك في مرحلة لاحقة من الانتداب الفرنسي، ومن ثمّ بعد الجلاء وحتى مرحلة الوحدة مع مصر. أمّا المرحلة الثانية، فقد تمثّلت بالتحوّل إلى المركزية العرقية (العروبية) والتي بدأت بالوحدة مع مصر وتعزّزت بعد انقلاب البعث في 8 مارس/آذار 1963. فحتى دستور عام 1950، كان اسم الدولة: الجمهورية السورية. واستبدلت الدساتير في عهد البعث اسم الدولة ليصبح: الجمهورية العربية السورية.

تداعيات الحرب الداخلية:

أعادت الحرب الداخلية السورية، إلى حدٍّ كبير، فكّ روابط المركزية المطلقة المفروضة قسراً على المكوّنات المجتمعية السورية. أدّى خروج مناطق واسعة من سوريا عن سيطرة النظام المركزي إلى خلق وقائع جديدة على الأرض أسّست لعلاقة جديدة بين الأطراف والمركز قائمة على أنّ المركز معاد للأطراف. رغم استعادة معظم المناطق من قبل الحكومة المركزية إلّا أنّ الحواجز بين المركز والأطراف لازالت متينة. فبالإضافة إلى منطقتي شرق الفرات التي تديرها الإدارة الذاتية بدعم أمريكي، وشمال سوريا التي تسيطر عليها مجموعات مسلّحة بدعم تركي، هناك وضع خاصّ لم يستقرّ بعد في جنوب سوريا (وخاصّة محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية).

مساعي وضع دستور جديد:

أدّت تحوّلات المواقف الدولية والإقليمية من الوضع السوري إلى تراجعات كبيرة في مساعي الحلّ. صوّت مجلس الأمن يوم 18 ديسمبر/كانون الأول 2015 بالإجماع على مشروع القرار الأميركي رقم 2254. بموجب هذا القرار، كان ينبغي أن تبدأ محادثات السلام بسوريا في يناير/كانون الثاني 2016، لتسفر عن هيئة حكم ذات مصداقية، تشمل الجميع وتكون غير طائفية، مع اعتماد مسار صياغة دستور جديد لسوريا في غضون ستة شهور، وإجراء انتخابات في غضون 18 شهراً بإشراف أممي. لكن بعد مضي ما يُقارب أربعة أعوام على تبنّي القرار، لم تتشكّل حتى الآن لجنة صياغة الدستور. توقّف مسار جنيف الدولي تماماً، وحلّ محلّه مسار أستانا الذي تديره روسيا وتركيا وإيران، وهي الدول الثلاث التي توافقت مؤخّراً على أسماء المرشّحين للجنة صياغة الدستور.

عقبات كبيرة أمام الكورد:

تراجع الدور الدولي لصالح الدول الإقليمية في مسألة الدستور، وخاصّة تركيا وإيران المعاديتين لحقوق الكورد في سوريا، يأتي بالضدّ من مصالح الكورد. كما أنّ توافق النظام والمعارضة على معاداة مطلب الكورد في أي صيغة لامركزية تقارب الفيدرالية (النظام طمعاً في استعادة قبضته المركزية على كامل البلاد، والمعارضة – السنية- طمعاً في الوصول إلى السلطة المركزية باسم الأغلبية) عقبة أخرى كبيرة أمام الكورد. وليس خافياً، أنّ كلّاً من الحكومة والمعارضة السوريتين ليست متّفقتين على رفض مطالب الكرد فحسب، بل وتزايدان على بعضهما في مسألة ما تتّفقتان على تسميته بالمساعي الانفصالية. كما يكتسي العامل الاقتصادي أهمية بالغة في هذا المجال، حيث تستأثر المناطق الكوردية بالثروات الاستراتيجية الرئيسة في سوريا من نفط وغاز وحبوب وقطن، ناهيك عن مصادر المياه المتمثّلة بشكل أساسي بنهري الفرات ودجلة، علاوة على حساسية الموقع الجغرافي للمناطق الكردية التي تشترك في الحدود مع تركيا والعراق. الأمر الذي يجعل من الصعب أن يقبل أيّ طرف سوري بإدارة ذاتية للكورد تسيطر على هذه الموارد الحيوية لسورية. من هنا تأتي صعوبة المراهنة على العامل الداخلي في نيل موافقة الأطراف السورية (سلطة ومعارضة) على تضمين المطالب الكردية في الدستور السوري المُزمَع صياغته. وبالتالي، لا بدّ للكورد من العمل على العامل الدولي في مساعي وضع دستور يتضمّن المطالب الجوهرية للكورد وشركائهم من المكوّنات الأخرى في مناطقهم. وفي هذا الإطار، يُمكن للإدارة الذاتية القائمة أن تلعب الدور الأبرز لجملة عوامل: فهي تسيطر على ما يُعادل 29% من مساحة سوريا وما يفوق 20% من الكتلة السكانية السورية، وتحظى بعلاقات دولية من خلال التحالف الدولي ودوله الرئيسية. وسيتعزّز هذا الدور إذا ما تمّ التوصّل إلى تفاهم كرديّ عام. سيكون من الصعب تجاوز هذا المعطى على الأرض في عملية تمرير الدستور السوري الجديد، إذا ما أحسن الكورد استثماره.

النتيجة:

– لا بدّ للكورد من العمل مع المجتمع الدولي والإقليمي، والهامش المتاح داخلياً، وعدم إغفال الدور الروسي الهامّ جدّاً في كلّ مسار الحلّ في سوريا، على إقرار مبادئ أساسية يرتكز عليها الدستور السوري، تكون انعكاساً وتعبيراً عن الكلّية المجتمعية السورية ولا تخضع للأغلبيات والأقليات.

– التمسّك بالهوية الوطنية السورية الجامعة للدولة السورية وعدم تقييد هذه الهويّة بنعوت عرقية تُملِّك الدولة لمكوّنٍ واحدٍ في سوريا.

– الإقرار بأنّ سوريا هي دولة تضمّ مكوّنات، لا بدّ من الاعتراف بهويتها دستورياً.

– ضرورة أن تكون سوريا دولة موحّدة ولكن لا مركزية سياسياً على أساس توزيع السلطات والثروات ضماناً لاستمراريتها كدولة متّحدةً.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي يكيتي ميديا

قد يعجبك ايضا