
الكُرد: من بياندور إلى الثورة السوريّة.. شريك أصيل في معركة الحريّة والمصير
جيندار بركات
في كلّ ثورةٍ ، هناك مَن يختار الحياد، وهناك من يغامر بكلّ شيء من أجل كلمة حق، وفي سوريا، حين دوّى الهتاف الأول “حريّة”، كان الكُرد في الصفوف الأماميّة.
لم ينتظروا حسابات الربح والخسارة، ولم يقفوا على الرصيف يراقبون المشهد، بل نزلوا إلى الساحات، ورفعوا أصواتهم مدركين أنّ كلفة الصمت أخطر من كلفة المواجهة.
عندما انطلقت الثورة السوريّة في آذار 2011، كانت المدن الكُرديّة من أوائل من لبّى النداء، القامشلي، عامودا، الحسكة، الدرباسيّة، وسري كانييه، أسماء محفورة في ذاكرة الثورة بمظاهراتها الحاشدة وشبابها الذين ردّدوا هتافات الحريّة والكرامة.
لم تكن المشاركة مجرد حضور جماهيري، بل فعل منظم قادته شخصيات وأحزاب، يتصدّرها المجلس الوطني الكُردي الذي انضمّ مبكراً للمعارضة السوريّة، ليؤكّد أنّ معركة الكُرد هي جزءٌ من معركة كلّ السوريين.
لكن تاريخ الكُرد مع النضال لا يبدأ من 2011، قبل ذلك بسبع سنوات، وفي انتفاضة 2004، هزّت صور إسقاط تمثال حافظ الأسد في عامودا وجدان السوريين، في رسالة مبكرة تقول: “الكرامة فوق كلّ سلطة”، تلك اللحظة لم تكن حادثة عابرة، بل شرارة سبقت زمن الثورة، ودفعت النظام حينها لاستخدام كلّ أدوات القمع لإسكات الصوت الكُردي.
صفحات النضال الكُردي تمتدّ إلى بدايات القرن العشرين، حيث حمل بعض القادة التاريخيين راية المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، مثل إبراهيم هنانو وأحمد بارافي، معركة بياندور (1923) وقصف عامودا بالطيران الفرنسي (1937) ليست أحداثاً منسيّة، بل شواهد على أنّ دماء الكُرد امتزجت بتراب سوريا في معركة الحريّة والسيادة.
ورغم هذه التضحيات، يجد الكُرد أنفسهم اليوم أمام واقع مؤلم، بعض الأصوات في المعارضة، وحتى في الإدارة السوريّة الجديدة، تتبنى خطاباً إقصائياً أو تحريضياً ضدهم، متناسية أنّ الكُرد ليسوا ضيوفاً في هذا الوطن، بل أحد أعمدته الراسخة،
هذا الخطاب لا يهدّد فقط فكرة العيش المشترك، بل يفرغ الثورة من مضمونها، ويحوّلها من حلم جامع إلى مشروع انقسام.
إنّ الاعتراف بالدور الكُردي في الثورة السوريّة، وفي التاريخ الوطني، ليس منّة من أحد، بل واجباً على كلّ مَن يؤمن بسوريا للجميع، فالثورة التي هتف فيها الكُرد للحريّة، ودفعوا ثمنها من دمائهم وأعمارهم، لا يمكن أن تنكر أبناءها، والتاريخ لن يرحم مَن يزرع الفرقة بدل الوحدة.
لقد أثبتت التجارب أنّ الدول متعددة القوميات والأديان والطوائف، إذا لم تعتمد نظاماً اتحادياً يضمن الشراكة الحقيقيّة، ستتحوّل إلى ساحات صراعٍ دائم.
الفيدراليّة ليست تجزئة ولا انفصالاً ،كما يروّج خصومها، بل ضمانة لبقاء الدولة موحدة عبر احترام إرادة كل مكوّن، وهي اليوم، بالنسبة للكُرد، ليست خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة وجوديّة لحماية هويتهم وحقوقهم من التلاشي تحت سلطة مركزيّة لا تعترف إلّا بنفسها.
ومن حق الكُرد، كما تؤكّده المادة (1) من ميثاق الأمم المتحدة (1945)، والمادة (1) المشتركة من العهدين الدوليين للحقوق المدنيّة والسياسيّة والحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة (1966)، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 (1960)، أن يقرّروا مصيرهم بأنفسهم، ويضمنوا حقوقهم السياسيّة والثقافيّة ضمن الدولة.
إنّ الكُرد لن يقبلوا بعد اليوم أن يكونوا مجرد تابع في دولة تُدار بعقليّة الإقصاء والهيمنة، ومع ذلك، هدفهم ليس الانفصال أو التهديد، بل إقامة شراكة حقيقيّة ضمن إطار فيدرالي ديمقراطي، يحمي حقوق الجميع ، ويعزّز الوحدة القائمة على الاحترام المتبادل، الوحدة القسريّة لم تنجب إلّا الخراب، بينما الوحدة الطوعيّة القائمة على الاحترام المتبادل هي وحدها التي تدوم.
إنّ بناء سوريا الجديدة يمرّ بالاعتراف الكامل بالكُرد كشريك أصيل في الثورة والدولة، وضمان حقوقهم السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة، كل مؤسسة، وكل دستور، وكل مشروع وطني يجب أن يضمن مشاركة الكُرد في اتخاذ القرار، وليس فقط وجودهم كمتلقين للقرارات.
الخلاصة واضحة: الكُرد جزءٌ لا يتجزّأ من نسيج سوريا، وحقوقهم ليست هبات تُمنح أو تُمنع، بل واقع تاريخي ووجودي، وحماية هذه الحقوق ليست مصلحة ضيقة، بل مصلحة وطنيّة؛ لأنّها تؤسّس لشراكةٍ حقيقيّة، وتضمن استقرار الدولة، وتحقّق حلم السوريين بالحريّة والعدالة والتعدديّة.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “338”






