آراء

اللغة الكُردية بين الإقرار المؤجَّل والحق المنقوص

قراءة نقدية في المرسوم ١٣ من النص إلى المدرسة والمؤسسة

إبراهيم اليوسف

لا يمكن النظر إلى اللغة الكُردية على أنها ابنة المراسيم، ولا يمكن لها أن تكبحها. إذ تبدأ من فم الطفل حين يُطلَب منه أن يشرح نفسه بلغة ليست لغته، وفي دفتر المدرسة حين يكتب اسمه بحروف لا تشبه صوته، وفي البيت حين تُقال الكلمات بحميمية كاملة ثم تُترك عند باب الصف. لذلك، فإنّ كل حديث عن الاعتراف باللغة الكُردية لا يمكن فصله عن هذا الشعور الضمني اليومي الصغير، الصامت، المتراكم: شعور أنّ ما نعيشه لا يجد مكانه في المؤسسة، وأنّ ما نحمله معنا لا يُعترف به إلا بقدر ما لا يزعج أحداً.

حين صدر المرسوم رقم ١٣، ظنّ كثيرون أنّ باباً انفتح، أو في أقل تقدير أنّ صدعاً قد تشكّّل في الجدار القديم. غير أنّ القراءة الهادئة، غير المتعجّلة، تكشف سريعاً أنّ الباب ما زال” نصف مغلق”، وأنّ اللغة الكُردية دخلت المرسوم ولم تدخل المدرسة، وظهرت في التوصيف واختفت من الإلزام. الاعتراف جاء، نعم، لكن على طريقة الإيماءة، لا المصافحة، وعلى طريقة الوعد، لا التنفيذ. كأنّ اللغة قيل لها: أنت موجودة، ولكن ليس إلى الحد الذي تغيّرين فيه الترتيب القائم.

ومعروف أنّ المسألة- هنا- لا تتعلّق برغبة ثقافية أو نوستالجيا لغوية، بل بكرامة يومية. إذ أنّ اللغة ليست زينة هوية، ولا فلكلوراً يمكن الاحتفاء به في مناسبة، ثم إعادته إلى الرف. اللغة بيت، وحين يُسمح لك بالدخول إلى بيتك ساعة واحدة في الأسبوع، مع التنبيه الدائم أنّ وجودك اختياري، فإنّ الرسالة تكون قاسية مهما كانت الصياغة ناعمة. الطفل يفهم هذا قبل أي تحليل سياسي، ويدرك أنّ لغته لا تُحاسَب، ولا تُقاس، ولا تُعدّ جزءاً من مستقبله.

من هنا تأتي هذه القراءة، لا لتسجيل اعتراض، ولا لمراكمة خطاب احتجاجي، بل لمحاولة قول ما يشعر به كثيرون ولا يجد طريقه إلى النصوص أو المراسيم الرسمية: إنّ الاعتراف الذي لا يغيّر حياة التلميذ، ولا ينعكس في الامتحان، ولا يحضر في الإدارة، يبقى اعترافاً ناقصاً، وأنّ اللغة التي تُعامل كخيار إضافي تُدفع، ببطء، إلى الهامش، مهما قيل عنها في البيانات.، لأنّ القضية تبدو أبسط وأعمق في آن واحد، حيث يمكن السؤال: هل يُسمح للكُردي أن يكون كاملاً بلغته في المدرسة، أم يُطلب منه أن يجزّئ نفسه منذ الصف الأول؟

هذه ليست مطالبة فوق السقف، ولا قفزاً على الواقع، بل سؤال عدالة بسيط: لماذا تُعامل لغة السلطة كقدر، ولغة المواطن كملحق؟ ولماذا يُطلب من شعب قدّم ما قدّم أن يكتفي باعتراف لا يصل إلى مستوى حياته اليومية؟ عند هذا الحد تحديداً يبدأ النقاش الحقيقي، لا حول نص المرسوم فقط، بل حول ما إذا كنا نريد دولة تعترف بالناس كما هم، أو دولة تكتفي بأن تسميهم من بعيد.

بدهي أنّ قيمة أي مرسوم لا تُقاس بما يقوله عن نفسه، بل بما يفعله للناس العاديين. بما يفعله للطفل حين يدخل المدرسة، للموظف حين يملأ استمارة، وللمواطن حين يطلب أن يُخاطَب بلغته من دون أن يشعر أنه يطلب فضلاً. حين يبقى الحق أسير الورق، إذ يتحوّل إلى وعد مؤجَّل، وإلى عبارة جميلة لا تغيّر شيئاً في الحياة الفعلية. من هنا تفرض قراءة المرسوم رقم ١٣ وقرار وزارة التربية المتصل به نفسها، لا بدافع الرفض المسبق، بل بدافع القلق المشروع: هل ما كُتب قادر فعلاً على لمس الواقع، أم أنه يكتفي بطمأنة الخطاب وترك الجوهر على حاله؟

ما يظهر منذ البداية أنّ اللغة الكُردية حاضرة في النص، لكن حضورها يشبه صورة في إطار، لا جسداً في المكان. اعتراف موجود لفظاً، ومساواة مؤجلة فعلاً. باعتبار أنّ اللغة سُمِح لها أن تورد في إطار تسمية، لكن ليس لكي تُمارَس بحقها كاملاً. وهنا تتشكّل مفارقة مؤلمة وهي أنّ قضية عظمى بحجم لغة شعب كامل تُدار بعقلية” محض” الإذن، ربما الموسمي/ المرحلي، لا بعقلية الالتزام الواعي  الدستوري، حيث سيتم التعامل معها على هيئة دورات، أو حصص إضافية، أو “كورسات”، كأن المسألة تتعلق بهواية يمكن تنظيمها، لا بحق أصيل.

هذا التناقض يضعنا أمام سؤال مباشر لا يمكن الهروب منه: كيف ترى السلطة الجديدة الكُرد؟ هل تراهم- حقاً- شركاء كاملي الحقوق، أم أن قضيتهم تختصر في كونها ملفاً حسّاساً يحتاج إلى تخفيف ضغط مرحلي، إلى أن تمضي” العاصفة”؟ لأنّ الفرق بين الأمرين ليس لغوياً، بل سياسياً وإنسانياً عميقا عندما يساوى الشريك- أي شريك مكاني- بصنوه، في إطار الملف وهو في طور التفعيل.

إنّ قيمة أي مرسوم تتجلى في المسافة بين ما يعلنه وما يسمح به. بين اللغة التي تُكتب في الديباجة، وتلك التي تدخل الكتاب و قاعة الصف والامتحان والوثيقة الرسمية، بل لوحات الإعلان وبهو الدائرة ووراء طاولاتها. وهنا تحديداً تتضح المشكلة: لاسيما أنّ الحقوق تقدّم- مقطرة- ويلوح بها بحذر لافت، وكأنّ صاحبها متهم عليه أن يثبت استحقاقه خطوة تلو أختها وأخيها. لذلك لا يبدو المرسوم منحة تاريخية، بل خطوة ناقصة، محسوبة، محكومة بهاجس عدم الذهاب بعيداً.

ينطلق المرسوم من الاعتراف بالكُرد كمكوّن وطني، ويمنح لغتهم صفة “اللغة الوطنية”.  إنها عبارة تبدو إيجابية للوهلة الأولى، لكنها تبقى توصيفاً ثقافياً ما دامت غير مربوطة بحقوق تعليمية وإدارية واضحة. فاللغة لا تعيش بالصفات، بل بالاستخدام اليومي الفعلي، تعليمياً، وحياتياً. وحين لا تُوضَع  اللغة في موقعها – في المعادلة- داخل بنية الدولة، تصبح هذه الصفة أقرب إلى المجاملة الرمزية منها إلى الالتزام الفعلي. اللغة هنا تُذكر، لكن تُترك خارج النظام.

إنّ أية قراءة دقيقة في المرسوم تكشف أنه يتجنّب الحسم في النقطة الأساسية أو الرئيسة أمام السؤال الجوهري: ترى أين ستكون اللغة الكُردية في المجال العام؟  إذ لا ذكر لاستخدامها في الدوائر الرسمية، لا حضور لها في الوثائق، ولا تصوّر حقيقياً لوجود ازدواج لغوي في المناطق الكُردية. كما أنّ الأكثر أهمية من ذلك هو:  أنّ لا مسار واضح يجعلها لغة تعليم فعلية، لطالما أنّ كل هذه الاستحقاقات ممكنة الاستبدال بعبارة فضفاضة: “يُسمح بالتدريس”” لا يفرض- يطلب- يؤمر إلخ،. وهذه العبارة وحدها كافية لفتح الباب أمام أدنى وأضعف أشكال التطبيق.

هنا تتسع الفجوة بين حلم انتظره الكُرد لأكثر من قرن، وبين صيغة إدارية مترددة تكتفي بالإشارة في إطار الاعتراف غيرالمكتمل. إذ إنّ الفرق شاسع بين لغة يُسمح لأبنائها بالنطق بها، وبين لغة تدخل بوابة المناهج الدراسية- رسمياً- باعتبارها حقاً. نجد أنه في الحالة الأولى يمكن لمانحها إخراجها في أية لحظة، بينما حضورها في الحالة الثانية يدخل في إطار الحق الطبيعي.

وحين نضع هذا المطلب في سياقه التاريخي، تصبح المفارقة أكثر إيلاماً. فالكُرد لم يصلوا إلى هذه المطالبة من مجرد منظور ثقافي ضيق، بل من موقع المشاركة الفعلية في حماية هذا البلد، منذ تأسيسه، وخلال سنوات حربه ودماره وانهياره.  وكانت مناطقهم خطوط مواجهة فعلية، كما أنّ تضحياتهم لم تكن رمزية. لذلك يبدو الاعتراف الجزئي- باللغة الكُردية- أقل بكثير من مستوى الاستحقاق. فالدولة التي تنصف تضحيات مواطنيها لا تمنحهم حقوقهم على شكل هبات، ولا تتعامل معهم كمن عليهم أن يشكروا القليل، في إطار ذر الرماد في العيون.

وإن عدنا إلى الوراء، وأمعنا تاريخ الموقف من لغة الكُرد، نجد أنّ المشكلة، ليست لغوية بقدر ما هي سياسية موروثة. حين ينظر إلى اللغة كمحض ملف تفاوضي، كي تُسحب من دائرة الحق إلى دائرة المساومة والابتزاز. وهكذا يأتي المرسوم كحل وسط، يخفّف الضغط ويرسل إشارات إيجابية، من دون أن يمس البنية الصوانية المركزية القديمة، المتكلسة، لتراوح اللغة في هذا النموذج،  في المنطقة مابين الحقوق و الامتياز- الموهوب-  القابل للسحب، ويصبح كل تقدم مرهوناً بجولة جديدة من المطالبة.

وقد ازداد هذا الإحساس مرارة مع قرار وزير التربية الصادر في ١٦ كانون الثاني ٢٠٢٦.  هذا القرار  الذي يحوّل الكردية إلى مادة اختيارية، بعدد محدود من الحصص، وخارج حساب النجاح والرسوب، لتُقدَّم- امتحانياً- باعتبارها نشاطاً ثقافياً لا مادة أساسية. لتتمنح المدرسة، بطبيعتها المتحجرة، القيمة لما يدخل في التقييم، ما يجعل الطالب غير مهتم بما يحدد انتقاله ومستقبله، ولئلا تشجعه أسرته، على العناية بها، لطالما تُستبعد العلامة  الامتحانية، أوالدراسية.

وحقيقة، إنّ المفارقة هنا فادحة عندما يرسب طالب في لغة ليست لغته الأم، وتُحسب علاماتها بدقة، بينما لغته الأم التي تشكّّل نواة وصميم  وأرومة وعيه اليومي لا تدخل في أي حساب.  على هذا النحو، نرى كيف أنّ لغة- السلطة- تُرفع إلى مستوى تحديد المصير الدراسي، بينما تُخفض- في المقابل- لغة الطالب إلى الهامش، بل الحضيض. ويمكننا القول هنا: إنه- من الناحية العملية أو الفعلية- تتحوّل الكُردية إلى  مجرد وقت إضافي يمكن الاستغناء عنه عند أول ضغط، ثم يُقال لاحقاً: أبناؤكم لا يهتمون بلغتهم.

النموذج التعليمي، وفق المرسوم، واضح التأثير والنتيجة: حصتان، كتاب، معلم مؤقت، ومادة يمكن إلغاؤها. هذا التعامل مع اللغة الكَردية لا يبني علاقة حقيقية مع هذه الأداة المهمة، بل  تؤسّس علاقة عابرة. بينما أي مشروع جاد يبدأ من الصفوف الأولى، ويجعل اللغة جزءاً من القراءة والكتابة والعلوم والأنشطة اليومية، لا هامشاً ملحقاً.

وعلينا ألا ننسى أنه، حتى إعلان عيد النوروز عطلة وطنية، على إيجابيته، يكشف مفارقة أخرى، ألا وهي أنّ الاعتراف بالمناسبة أسهل من تثبيت الحقوق اللغوية. الاحتفال بيوم- مقدس- واحد لا يغيّر المناهج ولا يعيد ترتيب المدرسة. وهكذا تسبق الرمزية العدالة، ويُرفع العيد إلى مستوى الدولة بينما تُترك لغة العيد وأهله، خارج الصف.

من هنا، فإنّ الأثر الأعمق لا يظهر فوراً، بل يتراكم داخل وعي الطالب، لأنّ المدرسة لا تقدّم المعرفة فقط، بل تقدّم تصورات حول القيمة الروحية والمعنوية للغة، من خلال اعتمادها. حين تُعامل لغة الطالب كخيار، بينما تُفرض لغة أخرى كمصير، ليتكوّن انقسام داخلي مبكر في سيكولوجيا وروح الطفل/ الطالب مفادها: ما أعيش به ليس ما أُحاسَب عليه. هذا الانقسام يتحول مع الوقت إلى مسافة نفسية بين المواطن والدولة، لأنّ اللغة كلما استبعدت من الفضاء الرسمي، استبعدت معها الثقة.

لهذا لا يمكن بناء ثقة بحلول جزئية. اللغة ليست زينة ثقافية، بل أداة مساواة. الطفل الذي يتعلّم بلغته يشعر أنه كامل، لا ناقص. وحين تُعامل لغته كملحق، يتلقّى رسالة صامتة بأنّ مكانته- نفسها- أدنى. المسألة هنا تتجاوز التعليم إلى عدالة الوجود.

تأسيساً، على كل ماسبق تبرز الحاجة إلى توسيع المرسوم بنصوص واضحة، تجعل الكُردية لغة ثانية معتمدة، وتُدرجها في التعليم إلزاماً، بعد أن تثبّت حضورها في الإدارة. عندها فقط ينتقل الاعتراف من المجاملة إلى الحق، ويصبح عيد النوروز  القومي العظيم تعبيراً عن  رمز وواقع.

يتضح، جلياً، أنه عند جمع كل هذه الوقائع، أنّ المشكلة ليست  أمراً إدارياً، بل خياراً سياسياً. فالاعتراف الذي لا يدخل المدرسة يبقى شكلياً، واللغة التي لا تدخل الامتحان تبقى نشاطاً جانبياً. وهكذا يستمرّ منح الحق بالتقسيط، بينما ينتظر شعب كامل مساواة واضحة لا تقبل المساومة.

في ضوء هذا وذاك نؤكّد أنّ المطلوب هو انتقال صريح من منطق السماح إلى منطق الإلزام، ومن المجاملة إلى التشريع. لأنّ اللغة ليست ملفاً مؤقتاً، إنما هي حق مواطنة كامل. ومتى تمّ   التعامل معها على هذا الأساس،  فإنّ العلاقة بين الدولة ومواطنيها توضع في إطارها الصحيح، ليكون هذا الاعتراف واقعاً يُعاش، لا محض عبارة  تكتيكية  في مدونة.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “340 – 341”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى