آراء

المتاجرة بالقضية… حين يتحوّل الحلم الكُردي إلى سلعة في سوق المصالح

صباح حمدو

هناك فرق كبير بين أن تخسر معركة، وبين أن تخسر ثقة شعب بأحلامه. فالهزائم قد تُعوَّض، والتحولات السياسية قد تفتح أبوابًا جديدة، أما حين يتحوّل الأمل إلى سلعة، تُباع وتُشترى وفق تقلبات المصالح، فإنّ الخسارة تمتدّ إلى وجدان أمة بأكملها.

هذه هي المأساة التي رافقت القضية الكُردية في محطات كثيرة من تاريخها. فلم تكن معاناة الكُرد ناتجة عن قوة خصومهم فحسب، بل أيضًا عن تحول قضيتهم، في كثيرٌ من الأحيان، إلى ورقة تفاوض على طاولات السياسة، وإلى وسيلة لتحقيق المكاسب لدى أطراف متعددة.

وبين هذا وذاك، بقي الشعب الكُردي يدفع الثمن، بينما بقي الحلم ينتقّل من جيل إلى آخر، مؤجلًا أكثر مما هو محقق.

منذ أن منحت معاهدة سيفر بارقة أمل بإمكانية الاعتراف بالحقوق القومية للكُرد، ثم جاءت معاهدة لوزان لتطوي تلك الصفحة، دخلت القضية الكُردية مرحلة طويلة من الانتظار. تعاقبت الحكومات، وسقطت أنظمة، وتبدّلت التحالفات الدولية والإقليمية، لكن القاعدة بقيت واحدة: عندما تتعارض العدالة مع المصالح، كانت المصالح هي التي تنتصر.

ولم يكن ذلك استثناءً في مرحلة معينة، بل نمطًا تكرّر بصورٍ مختلفة. ففي كل مرة لعب فيها الكُرد دورًا مؤثرًا في أحداث المنطقة، اعتقد كثيرون أنّ حجم التضحيات سيقود أخيرًا إلى اعتراف سياسي حقيقي بحقوقهم. لكن ما أن تتغيّر موازين القوى حتى تعود القضية إلى الهامش، وكأنّ تضحيات أصحابها كانت مجرد تفصيل في حسابات الآخرين.

هذه حقيقة يجب الاعتراف بها، لكنها ليست الحقيقة كلها.

فالسياسة الدولية لا تُبنى على العواطف، بل على المصالح، ومن الخطأ أن نطالب الدول بأن تتصرف بعقلية تختلف عن طبيعتها. الخطأ الحقيقي يبدأ عندما نبني نحن استراتيجيتنا على أوهام، أو نُقنع شعبنا بأنّ وعود الخارج تمثّل ضمانة لمستقبل القضية.

وهنا نصل إلى الوجه الآخر من المشكلة… المتاجرة الداخلية بالقضية.

لقد قدّمت الحركة السياسية الكُردية، عبر تاريخها، نماذج وطنية مشرفة، وقدّمت قيادات دفعت أثمانًا باهظة دفاعًا عن شعبها. لكنّ هذا لا يمنع من الاعتراف بأنّ بعض الشخصيات والتيارات تعاملت مع القضية بوصفها وسيلة لتعزيز النفوذ أو تكريس الزعامة أو حشد التأييد، أكثر من كونها مسؤولية وطنية تستوجب الصدق والمحاسبة.

ولعلّ أخطر أشكال المتاجرة لا يكون في التخلي عن القضية، بل في بيع الأوهام باسمها. فعندما تُرفع سقوف التوقعات دون امتلاك أدوات تحقيقها، وعندما يُصوَّر كل تحالف خارجي على أنه بداية الحل النهائي، وعندما يُقنع الناس بأنّ النصر أصبح قريبًا ، رغم أنّ الوقائع تقول غير ذلك، فإنّ الخيبة تصبح حتمية، ويكون ثمنها أكبر من مجرد فشل سياسي.

فالأوطان لا تُبنى بالأمنيات، ولا تُدار بالشعارات، ولا تُحرّر بالمبالغات.

وما يزيد من خطورة هذا النهج أنّ الضحية لا تكون جيلًا واحدًا فقط، بل أجيالًا متعاقبة.

فالطفل الكُردي الذي كان يجلس قبل عقود يستمع إلى والده، وهو يتحدّث عن اقتراب الحرية، أصبح اليوم أبًا يردّد الكلمات نفسها لأطفاله. تبدّلت الأسماء والوجوه، وتغيّرت العواصم، لكنّ الحلم بقي مؤجلًا، وكأنّ الزمن يدور في دائرة مغلقة، تتكرّر فيها الوعود أكثر مما تتحقق الإنجازات.

وهنا تكمن الخسارة الحقيقية.

فليست سرقة الأرض وحدها هي المأساة، بل سرقة الزمن، وسرقة ثقة الناس، وسرقة أحلام الأطفال الذين يولدون وهم يعتقدون أنّ الغد سيكون مختلفًا، ثم يكتشفون، مع مرور السنوات، أنهم ورثوا الانتظار كما ورثه آباؤهم.

إنّ الطفل لا يحلم بالبيانات السياسية، ولا بالمؤتمرات، ولا بالخطابات الرنانة. إنه يحلم بوطنٍ يحفظ كرامته، وبمدرسة تعلّمه لغته، وبمستقبل لا يكون فيه الانتماء القومي سببًا للحرمان أو الخوف. وحين نعجز عن تحويل هذه الأحلام البسيطة إلى واقع، فإننا نكون قد سمحنا، بقصد أو بغير قصد، باستمرار المتاجرة بالقضية.

لكنّ النقد الحقيقي لا يهدف إلى جلد الذات، بل إلى تصحيح المسار.

فالدرس الذي يقدّمه قرن كامل من التجارب هو أنّ عدالة القضية وحدها لا تكفي، وأنّ التعويل المطلق على الخارج لم يكن يومًا استراتيجية ناجحة، كما أنّ تحويل الأشخاص إلى رموز فوق النقد لم يبنِ مشروعًا وطنيًا مستدامًا. فالقضايا الكبرى لا يحميها الأفراد، بل تحميها المؤسسات، ووحدة الصف، والشفافية، والقدرة على مراجعة الأخطاء قبل أن تتحوّل إلى أزمات.

ولذلك، فإنّ المسؤولية اليوم لا تقع على السياسي وحده، ولا على المثقف وحده، ولا على المواطن وحده، بل هي مسؤولية جماعية لإعادة الاعتبار إلى القضية بوصفها ملكًا للشعب، لا وسيلة لتحقيق المكاسب، ولا منصة لصناعة الزعامات، ولا ورقة في صفقات الآخرين.

لقد آن الأوان لأن ننتقل من انتظار ما ستقرّره العواصم الكبرى إلى التفكير فيما نستطيع نحن أن نبنيه بأيدينا. وأن ندرك أنّ احترام العالم لأي قضية يبدأ من احترام أصحابها لها، ومن قدرتهم على تقديم نموذج في الوحدة، والإدارة الرشيدة، والصدق مع شعبهم.

بعد أكثر من مئة عام من الوعود والانتظار، ربما لم يعد السؤال الأهم: مَن تاجر بالقضية؟ فالإجابة يعرفها التاريخ، وتؤكّدها الوقائع. أما السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل كُردي اليوم فهو: كيف نمنع أن تتكرّر التجربة؟ وكيف نجعل أطفالنا أول جيل يرث مشروعًا وطنيًا واضحًا، بدل أن يرث قائمة جديدة من الوعود المؤجلة؟

فالقضية التي تتحوّل إلى سلعة، يخسرها الجميع… أما القضية التي تتحوّل إلى ضمير شعب، فلا يستطيع أحد أن يساوم عليها، ولا أن ينتزعها من أصحابها، مهما تبدّلت المصالح، ومهما طال الزمن.

 

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “346”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى