آراء

المرأة الكُردية ويوم المرأة العالمي من مسيرة الخبز والورد إلى ثورة جدائل الحرية

أمل حسن

يُعدّ الثامن من آذار يوماً تاريخياً يخلّد نضال المرأة في مختلف أنحاء العالم من أجل الحرية والكرامة والمساواة. وتعود جذور هذا اليوم إلى عام 1908 حين خرجت آلاف العاملات في مدينة نيويورك في مظاهرة كبيرة مطالبات بتحسين ظروف العمل، وتقليل ساعات العمل، والحصول على الأجور العادلة، ونيل حق المشاركة في الحياة السياسية.

وقد عُرفت تلك المظاهرة باسم مسيرة الخبز والورد؛ حيث كان الخبز رمزاً للحق في العمل والعيش الكريم، بينما مثّلت الورود رمز الكرامة والعدالة الإنسانية. ومنذ تلك اللحظة التاريخية بدأت الحركة النسوية تنتشر في أوروبا والعالم، لتفتح أمام المرأة أبواباً واسعة نحو الحرية ونيل حقوقها المشروعة.

وفي خضم هذا التاريخ النضالي، كانت المرأة الكُردية حاضرة بقوة في مسيرة الدفاع عن الحرية والكرامة. فلم تكن يوماً بعيدة عن ساحات الكفاح، بل كانت شريكة للرجل في بناء المجتمع والدفاع عن الأرض والهوية.

لقد عرف التاريخ الكُردي نساءً قياديات قدن الممالك والعشائر، وبرزت منهن مقاتلات ومثقفات وشاعرات تركن بصمات واضحة في الذاكرة الكُردية. وفي العصر الحديث ظهرت أسماء نسائية أصبحت رموزاً للنضال والحرية مثل ليلى قاسم، ليلى زانا، هفرين خلف، ومهسا أميني، اللواتي جسّدن روح المقاومة والكرامة في مواجهة الظلم والاستبداد.

ولم يقتصر دور المرأة الكُردية على المجالات الثقافية والاجتماعية، بل كانت في طليعة المدافعين عن أرضها وشعبها. فقد التحقت آلاف النساء بقوات البيشمركة والقوات العسكرية المختلفة، ووقفن جنباً إلى جنب مع الرجال في خنادق الشرف والكرامة دفاعاً عن تراب كُردستان وحماية شعبها.

وقد تجلّت شجاعة المرأة الكُردية بصورة واضحة في غرب كُردستان، حيث أصبحت المقاتلات الكُرديات رمزاً عالمياً للصمود في مواجهة أخطر التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم داعش. لقد أدهش صمودهنّ العالم أجمع، وأثبتن أنّ المرأة قادرة على حمل السلاح والدفاع عن شعبها بإرادة راسخة وشجاعة استثنائية.

كما تحوّلت قضية الشابة الكُردية مهسا أميني إلى شرارة انتفاضة شعبية واسعة ضد الظلم والاستبداد، ليتردّد في شوارع العالم شعار أصبح رمزاً عالمياً للحرية:
المرأة – الحياة – الحرية – Jin – Jiyan – Azadî

غير أنّ نضال المرأة الكُردية لم يتوقّف عند تلك المحطات التاريخية، بل ما زال يُكتب حتى اليوم بتضحيات جديدة. ففي غرب كُردستان شهد العالم أحداثاً مؤلمة عندما ارتُكبت انتهاكات وحشية بحق بعض المقاتلات الكُرديات، حيث جرى التمثيل بجثامين الشهيدات بعد استشهادهنّ، وقُطعت ضفائرهن وأُلقيت أجسادهن في ساحات القتال في محاولة لإهانة كرامتهن وكسر إرادة المرأة الكُردية.

لكن ما ظنه الطغاة إهانة تحوّل إلى رمز جديد للمقاومة. فقد تحولت تلك الضفائر المقطوعة إلى شرارة معنوية أطلق عليها أبناء الشعب الكُردي اسم ثورة جدائل المرأة الكُردية.

فجدائل المرأة الكُردية التي حاول أعداء الحرية قطعها لم تعد خصلات شعر فحسب، بل أصبحت راية للكرامة والصمود ورسالة للعالم بأنّ المرأة التي تقاتل دفاعاً عن أرضها وشعبها لن تُهزم بالإهانة أو العنف. لقد تحوّلت تلك الجدائل إلى صرخة مدوية في وجه الظلم والطغيان، وإلى رمز جديد لكرامة المرأة الكُردية.

إنّ المرأة الكُردية اليوم لم تعد محصورة في الأدوار التقليدية كما كان الحال في الماضي؛ فهي الكاتبة والشاعرة والمثقفة، والطبيبة والمعلمة والمهندسة، وهي أيضاً القائدة والمناضلة والمقاتلة. لقد قطعت المرأة الكُردية شوطاً طويلاً في طريق التحرر وإثبات الذات، رغم كل التحديات التي تواجهها.

فالمرأة، وإن كانت نصف المجتمع عدداً، فهي المسؤولة الأولى عن تربية النصف الآخر. فهي الأم والأخت والزوجة والابنة، وهي أيضاً القائدة والثائرة وصانعة المستقبل. وكما قيل:
“المرأة التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بيسارها.”

وفي هذه المناسبة العالمية العظيمة، نتوجّه بالتحية والتقدير إلى جميع النساء المناضلات في العالم، ونخصّ بالذكر المرأة الكُردية التي أثبتت قدرتها على الجمع بين التضحية والعطاء، وبين القوة والإنسانية.

كما ننحني إجلالاً أمام أمهات الشهداء، وأمهات المقاتلين، وكلّ امرأة كُردية قدّمت التضحيات في سبيل كرامة شعبها وحرية وطنها.

إنّ المرأة الكُردية اليوم أصبحت رمزاً للمقاومة والحرية وصوتاً للكرامة والعدالة، وحضورها الفاعل في المجتمع دليل على قدرتها على صناعة المستقبل وبناء غدٍ أكثر عدلاً وحرية.

تحية تقديرٍ لكلّ امرأة كُردية حرة.
تحيةً لكلّ أم أنجبت بطلاً أو بطلة.
تحيةً لكلّ امرأة تناضل من أجل حياة حرة كريمة.
كللّ عام ونساء العالم بخير،
وكلّ عامٍ والمرأة في كُردستان رمز للنضال والحرية.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “342”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى