آراء

المرأة بين القانون والواقع

المحامي : اكرم شمو

تحليل إشكاليات تواجه المرأة السورية في ظل القوانين والأعراف الاجتماعية، وكيفية تعزيز الوعي بحقوقها دون المساس بالانسجام المجتمعي

رغم التغيّرات الكبيرة التي شهدتها المنطقة ،خلال العقود الماضية، لا تزال المرأة في الشرق الأوسط، ومنه سوريا، تواجه مزيجاً معقداً من الإشكاليات القانونية والاجتماعية، حيث تتداخل النصوص القانونية مع العادات والأعراف إلى درجة يصعب فيها الفصل بين ما هو قانوني وما هو اجتماعي.

ورغم وجود منظومة قانونية تفترض أنها تكفل للمرأة حقوقها في الزواج والطلاق والحضانة والإرث، إلا أنّ التطبيق العملي لهذه الحقوق غالباً ما يتأثر بالبيئة الاجتماعية وضعف المعرفة القانونية، إضافة إلى ثقل التقاليد التي ما زالت تتحكّم في الكثير من تفاصيل الحياة الأسرية.

تظهر هذه الإشكاليات بوضوحٍ في قضايا الطلاق والافتراق بين الزوجين. فالرجل يملك حق الطلاق بإرادته المنفردة ودون حاجة إلى مبرر شرعي أو قانوني، وهو ما يفتح الباب أمام الطلاق التعسفي، رغم وجود نصوص تتحدّث عن التعويض في بعض الحالات. بالمقابل، لا تملك المرأة هذا الحق، بل تضطرّ غالباً إلى اللجوء للمحكمة ورفع دعوى “المخالعة” مقابل التنازل عن جزء مهم من حقوقها المالية، وأحياناً حتى عن الحضانة، من أجل إنهاء زواج غير موفق.

وهنا يظهر تمييز واضح في المساحة المتاحة لممارسة حق الافتراق؛ فحق الرجل مباشر، بينما حق المرأة مشروط بتنازلات ومعارك قضائية تستنزف الوقت والجهد والمال. وهذا التفاوت لا يرتبط فقط بالنصوص، بل بالممارسات التي تجعل المرأة الطرف الأضعف عندما يتعلّق الأمر بإنهاء علاقة زواج تضرّرت فيها كرامتها أو استقرارها.

وفي موضوع الحضانة، تمنح المادة 146 الأم حق حضانة أطفالها حتى سن الخامسة عشرة، وهو نص متقدم نسبياً. لكن هذا الحق يصطدم بالمادة 138 التي تسقط حضانة الأم إذا تزوجت من غير قريب محرم. ونتيجة الخوف من فقدان أطفالهن، تمتنع الكثير من النساء عن الزواج مرة أخرى، فيتحول النص القانوني إلى قيد اجتماعي يُجبر المرأة على التضحية بحقها في تكوين حياة جديدة حفاظاً على حضانة أطفالها.

وهنا يتداخل القانون مع الضغوط العائلية والعرف ليشكلا معاً حاجزاً لا يقلّ قسوةً عن النص نفسه.

كما تظهر إشكالية أخرى في حق المرأة في اختيار شريك حياتها. فالمادة 20 تشترط موافقة الولي على الزواج، ورغم أن القانون يتيح للمرأة اللجوء للقضاء عند التعسف، إلا أنّ ذلك يبقى قليل الاستخدام بسبب الخشية من الصدام الأسري أو الاجتماعي.

وهكذا يبقى النص القانوني نظرياً، بينما يفرض العرف منطقه في الممارسة.

وتبرز قضايا الإرث بوصفها أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على التناقض بين النص والتطبيق. فرغم أنّ التشريعات تمنح المرأة نصيباً واضحاً وفق أحكام الشريعة—وهي حصص ثابتة ومحددة لا خلاف عليها—إلا أنّ الواقع في كثير من المناطق يشهد ضغوطاً تدفع المرأة للتنازل عن ميراثها بحجة “الحفاظ على بيت العائلة” أو خشية حدوث خلافات مع إخوتها الذكور. والأخطر أنّ هذه الضغوط لا تتعلّق بالقانون بل بالأعراف، إذ تتغلّب التقاليد في كثيرٍ من الأحيان حتى على الأحكام الشرعية الواضحة.

وعلى الرغم من أنّ هناك تمييزاً في أصل الحصة بين الرجل والمرأة، إلا أنّ المشكلة الأكبر تكمن في أنّ المرأة لا تحصل حتى على الحصة التي يضمنها لها القانون والدين، فيتحوّل التمييز النظري إلى حرمان عملي مضاعف.

وتتفاقم هذه الإشكالات بسبب ضعف الوعي القانوني، الذي لا يقتصر على النساء فحسب. فكثير من النساء لا يعرفن كيفية رفع دعوى، أو إجراءات تنفيذ حكم، أو طرق تقديم الشكاوى. وهذا الفراغ المعرفي يُحوّل الحقوق من نصوص مكتوبة إلى مزايا غير قابلة للتحقق، ليس لغيابها، بل لغياب القدرة على الوصول إليها.

إن معالجة هذه الإشكاليات لا تتطلّب مواجهة صارمة مع المجتمع أو نسف الأعراف دفعةً واحدة، بل تحتاج إلى تعزيز ثقافة قانونية هادئة ومتوازنة، تمكّن المرأة من معرفة حقوقها وممارستها دون الدخول في صدامٍ مع محيطها. فالقانون حين يطبّق بروحه العادلة، وعندما يتوفّر الدعم من مراكز الإرشاد القانوني، والمنظمات المدنية، والإعلام، يمكن للمرأة أن تصل إلى حقوقها دون الإضرار بالانسجام الأسري أو المجتمعي.

إن تمكين المرأة قانونياً لا يعني استهداف الرجل، بل يعني دعم الأسرة بأكملها. والمرأة التي تعرف حقوقها، وتعرف كيف تطالب بها، دون خوف، تصبح أكثر قدرةً على حماية نفسها وأطفالها، وأكثر مساهمةً في بناء مجتمع متوازن.

وبين القانون والواقع تبقى الإشكالات كثيرة، لكنها ليست مستعصية على الحل. فبمجرد أن تتعزّز المعرفة، ويفسح المجال لتطبيق القانون بشكلٍ عادل ، يعامل المرأة والرجل على قدم المساواة في كرامتهم وحقوقهم الأساسية، يمكن للمجتمع أن يمضي نحو منظومة علاقات أكثر عدلاً واستقراراً للجميع.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “338”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى