المرأة ودوّامة العمل والاستكشاف

ليلى قمر

القسم الأول
منذ اللحظات الأولى ومع بدء التدوين ، تخبرنا كتابات البشر الأولى والتي تتقاطع في غالبيتها على أنه ومع هبوط ٱدم وحواء من السماء إلى الأرض ومن دون الخوض في روايات الأسباب ، ومع بداية التناسل البشري ونمو الأسرة وتزايد أعدادها ، سنلاحظ من خلال ما خلّفته البشرية ، وفي تتبع كيفية تطور الأسرة وآلية التكيف مع البيئة الجديدة ، خاصةً أنها خلقت واقعاً جديداً في سبيل تأمين لقمة العيش بالإعتماد على الذات ، في بيئةٍ عذراءَ موحشة ، ومنذ اللحظات البدئية ، برز دور المرأة الريادية و هيمنت وأخذت دورها الريادي في تسلّم مسؤولية الأسرة ومعها قيادة العمل الإقتصادي والإنتاج ، وفي العودة إلى غالبية المدارس والنظريات التي تصدّت كما وتنوّعت ووصلت في تصوّراتها إلى حد التناقض في جزئياتٍ كثيرة ، إلا أنها تتّفق في أسس تطور المجتمعات والأهم أنها تتوافق على نظرية ريادة المرأة ودورها الأساسي سواءً في الإنتاج وكذلك بابتكار طرقها و أساليبها حسب الحاجة ، ولتتطوّر عقلية الابتكار عندها ، لتغطّي في سباق تلك المراحل جوانب عدة استندت عليها البشرية وراكمت تجاربها ، وعلى ذات عقلية وعاطفة الأمومة تأسّست قاعدة المشاعية البدائية، ونمت ظاهرة مشاركة الجميع لكلّ شيء ، وأغلب علماء التاريخ يؤكّدون على ريادة المرأة في تدجين الحيوانات الصغيرة والطيور ، ومن ثم تفرّدها في إختيار وتطوير أماكن الإقامة باستخدام ماتوفّره الطبيعة من حشائش وأغصان الشجر ، والبدء بالزراعات البدئية ، ومعها بذلت جهوداً كبيرة ، ومن خلال تحكّمها بالإنتاج في وضع أسس العلاقات البينية ، ومع دخول مرحلة الحياكة بحكم الحاجة، والتي قد تكون من أهم المظاهر التي وضعت البشرية على الطريق الصحيح ، هي هذه الظاهرة والتي أصبحت مقدمة حقيقية وقفزة في تحوّل نمط الحياة، وبداية تغيير ظاهرة التنقل وبروز مقدمات أيضاً لفرز طبيعة المجتمع الزراعي والرعوي ، التي نعرفها كُرديا ب – ديمانا – و – كوجر – .

نعم لقد لعبت المرأة دوراً محورياً في التحول الجذري في نمط واأسلوب وشكل الفرد ، ولعلّ الحاجة لتنظيف وتشذيب المحيط أو حباً للنظافة والجمال أو لإبعاد الخطر من تسلل الحيوانات دفعتها لشذب الأشجار وقطع الأعشاب الطويلة ، الأمر الذي أدى الى تفتّق وعيها والبدء في استخدامها إن كواقياتٍ للمطر أو أشعة الشمس وكذلك استخدامها كقطعٍ أشبه بالملابس تغطّي أجزاء من جسد الإنسان ، ولعلّ اأول ما يذكره التاريخ ، هو صناعة السلال والأدوات الخشبية الأمر الذي دفع البشرية بصناعة أدواتها الحجرية ، و هذا لأنّ غالبية الدراسات تؤكـد على ريادة المرأة وبالتالي وضعها الأسس التطبيقية لأشكال التغيير ، وقد ساهمت المكتشفات الأثرية من لوحات وتماثيل وكذلك النصوص القديمة بعد فك أسرار لغاتها ، في تشجيع علماء الإجتماع والتاريخ مجدّداً في الاستناد على تلك المعطيات الأثرية خاصةً قبل دخول البشرية مرحلة التدوين ، وعزّزتها مرحلة اكتشاف الكتابة ، ومن ثم توجّه البشرية إلى كتابة الأعداد الهائلة من الملاحم والأساطير وكذلك القصص الشعبية التي عظّمت دور المرأة الذي وان خفت قليلاً بعد اكتشاف النار وتدجين الحيوانات الكبيرة خاصةً منها المستخدمة للجرّ ، ومع اكتشاف المعادن وبدء الأعمال التي تطلّبت جهوداً عضلية أكبر ، اخذ دور المرأة ينحسر نسبياً سوى بقائها سيدة البيت وحاضنة كما منتجة مؤونة منزلها ، وفي اختصارٍ شديد هنا لدواعي هذا السرد ، فقد دأبنا في جريدة يكيتي المركزية بالسعي للغوص في مجالات عديدة تخصّ أو نسعى لها لتغطّي جوانب مغفلة في صميم نمو وتطور مجتمعنا ، والتي كانت وبقيت المرأة فيها هي سيدة بلا منازع ، فالمرأة كما كانت في الماضي السحيق هي من اخترعت النقش وليتطور ويتفرع مجمل النشاط البشري ، وبنظرةٍ بسيطة حتى الآن الى نماذج ولوحات النقش التي كانت النسوة تطرزهن ، سنرى البعد الملحمي والأسطوري لتلك الرسوم ، الأمر الذي سيؤكّد أيضاً على دور ومهمة المرأة حتى في إنتاج الوعي والذي مازال مستمراً حتى أيامنا هذه من خلال سرد الأمهات للحكايا الشعبية وأيضاً الأغاني التراثية ، وفي الجانب الإنتاجي والعمل بقيت المرأة كالمصنع فهي مَن تنتج وتؤمّن وتجهّز مستلزمات البيت ، وتوفـر أيضاً لابل وتحدّد متنوعات الإحتياج وفق مقتضيات دورة المناخ وتقلبات فصولها ، ونظراً لأهمية هذا الجانب ، فقد رأينا في جريدة يكيتي أن نتطرّق في سلسلة متابعات ميدانية االتركيز على أنشطة المرأة الكُردية وأساليب الإنتاج والعمل التشاركي والتعاوني ، وسنحاول أن نفصل بين طرق وطبيعة العمل الريفي المستقر والرحل وكذلك في البلدات الأكبر وبالتأكيد ستكون الاهمية لشكل وآلية الإنتاج دور أساسي في فرض نمط قد يختلف مثلاً عند الكوجر مما هو عند – ديمانا – وسنسعى وبكلّ حياديةٍ لتسليط الضوء على ذلك الجهد العظيم الذي بذلته المرأة منذ أزمان سحيقة في سبيل توفير سبل الحياة ، تلك السبل التي انتقلت عبر الأجيال ومازالت بعضها تمارَس لابل وتظهر كمهن تمارس وفق تقاليد تصقّلت وأصبحت من أهم اركان الفولكور الكُردي ، وبالتالي لتفصح عن أمرٍ حيوي في الحياة البشرية وتطور مجتمعاتها وتثبت بكلّ جدارة على أنّ المرأة تستحقّ أن تكون هي بالفعل ليست فقط واهبة الحياة بل أنها مَن استكشفت وأبدعت في تطوير وتوفير مستلزمات نموها ، وعلى هذا الأساس سنسعى في الأعداد القادمة لخوض غمار البحث والتقصي في أنشطة المرأة الكُردية القديمة ووفق بيئاتها المتنقّلة – كوجر – او المستقرة – ديمانا – ..
يتبع

تمت قراءتها 501 مرة

قد يعجبك ايضا