المرأة.. ومرآة الواقع

وليد حاج عبد القادر/ دبي

تتمة

إذن وفي العودة إلى واقع المرأة الكردية ودورها المتتالي زخماً وتراجعاً، ومع بدايات القرن العشرين وحتى وقتنا الحالي، سنلاحظ من خلال سرديات وحكايا كما أغاني كثيرة، التي روت ووثقت لكثير من الحالات التي بقيت في إطارها الفردي، واسهبت تلك السير في التعريف بنسوة متميزات قمن بأدوار متعددة، سواء بطابعها المجتمعي أو السياسي، لابل والقيادة أيضاً جنباً إلى جانب أزواجهن أو أبنائهن الذين حكموا أو ورثوا الحكم وكن الحاكمات الفعليات، ومنهن من غطين بعضاً من الجوانب الثقافية من غناء أوشعر، أداءً أو كذواقات، وتنوعت معها أنشطتهن لتشمل مناح متعددة منها، والذاكرة الجمعية لازالت تختزن وتسرد حكايا بعض من النسوة اللاتي تبوأن قيادة معارك مشهورة وبارزن مع شخوص معروفة، لا بل قدن عشائرهن – قبائلهن وسط صعاب كثيرة إلى بر الأمان.

ناهيك عن براعة بعضهن اللاتي خضن مجالات الثقافة أو ما شابه، ولكن جميعها بقيت مؤطرة في سياق حالات فردية ما ارتقت مطلقا إلى سوية جمعية، وباختصار شديد، ومع ملاحظة كل تلك الأدوار الفردية المميزة لتلكم النساء في بيئاتهن، إلا انها وكإطار عام، ظلت أسيرة الفهم / التفسير العام ووصفتها الدينية منها والإرثية، محوطة بسلسلة من العادات والتقاليد وأضحت كقوانين ناظمة لنمطيتها ومحاصرة بضبط قوي لمجمل ممارساتها، وبالرغم من ملامح الانفتاح في العصر الحديث واندلاع ثورات كردية متعددة، وما أفرزتها تلك الثورات من معارك وصراعات مريرة، والتي كانت تبرز بين الفينة والأخرى، أدوار مميزة ورائعة للمشاركة النسوية، إلا أنها لم تستطع أن ترتقي أو تخترق الضوابط لتصبح كظاهرة عامة أو تؤسس – أقله – كحالة مقبولة، يبنى عليها لدور نسوي متبلور، ولتتأخر حضورها المنظم لعقود أكثر، على الرغم – من جديد – ظهورها المميز والمتطور نسبيا إن كفارسة / مقاتلة، أو حتى خوضها للمجال السياسي والثقافي، ولكن في ذات الإطار الفرداني المحكم، وللإنصاف وفي عودة سريعة، وضمن السياقية الفردية أيضاً، يمكننا تلمس بعض من الانشطة الثقافية والسياسية لأدوار بعض من اميرات بوطان إلى جانب أزواجهن – إخوانهن في الامارة الكردية، ولتأخذ منحا متطورا نسبيا في سياقها التاريخي فيما بعد  مع ظهور وصعود التيار النخبوي التنويري الكردستاني، وكانت لبعض من الأميرات البدرخانيات ظهور واع ومتنوع وواضح في هذا المجال، كما ان الثورات الكردستانية مؤخراً، أظهرت مقاتلات كما ونسوة عديدات في صفوف البيشمركة – مارغريت جورج – أدين خدمات لوجستية عديدة، إلا أن جميع هذه الحالات ما ارتقت – على حد علمي – لتصبح كظاهرة مؤطرة بقدر ما بقيت من جديد، مجرد حالات فردية لا أكثر.

وبقي التنظيم العملي عسكرياً وسياسياً حكراً على الرجال حتى في كردستان العراق رغم تعدد ثوراتها، إلى ما بعد سنة 1970 واتفاق 11 آذار بين نظام بغداد وقيادة الثورة الكردية حينها.

هذه الحالة تكاد أن تكون شاملة في أجزاء كردستان العراق، وبتصوري، ومع وجود فسحة من الأمان والسلم التي واكبت اتفاق آذار الآنف الذكر وتوجه الحزب الديمقراطي الكردستاني – العراق إلى هيكلة ذاته تنظيمياً، ظهرت في الساحة السياسية حينها منظمات حزبية نسوية رافقها منظمات شبه مستقلة خاصة بالنساء مثل الإتحاد النسائي الكوردستاني.

أما في الحركة السياسية الكردية في سوريا، خاصة بعد سنة 1971، أخذت بعض من ملامح الانفتاح على العمل السياسي للمرأة ومحاولة إيجاد فسحة تنظيمية لها وسط أجواء الإنشقاقات الكبرى في جسد الحركة، ولكنها – برأيي الشخصي – لم تستطع كل التجارب حتى أواخر السبعينيات أن تخطو عتبة العثرات والإخفاقات المتتالية على أرض الواقع، كون غالبية الأحزاب والمتحزبين لم يكونوا واثقين /’مقتنعين بالمطلق بذلك – كحالة مسؤول لتنظيم المرأة في واحدة من الأحزاب حينها كان يعاتب الرفيقات إن أخللن بواجباتهم الحزبية وعدم التفاعل  لتوسيع القاعدة النسوية وكانت زوجته وابنتان له بعيدتان كليا عن أي نشاط، لابل أن زوجته روت بصوت عال أنه هو الذي لا يحبذ ذلك – وباختصار ومن خلال معايشتي شخصيا لهذه المرحلة، كان خيار قرار تنظيم المرأة فوقياً، لم تؤطر أو تدرس بمافيه الكفاية، وعليه فقد ظلت محاصرة في إطار نوع من الديكور والمزاودة النظرية منها والآيديولوجية، وبالتأكيد هنا، لا يمكننا تناسي أدوار نسوة قمن بأروع النشاطات وقدمن جل الخدمات، لابل كنّ الحمام الزاجل للحركة السياسية الكردية في سوريا، خاصة في أحلك الظروف التي مرت الحركة الكردية، هذا الدور الذي عم غالبية المناطق، وكأنموذج نفتخر به جميعاً، وأن تعددت لتشمل الكثيرات، إلا أن – فاطما شرنخي – والدة السياسي صديق شرنخي هي واحدة من أكثر النماذج حضورا في المشهد النسوي، وبتصوري لم يبق سياسي كردي عتيق إلا وتناول من طعامها، أو اختفى في بيتها، أو ما كانت توفرها هي من أماكن آمنة لهم، وهناك العديدات مثلها من أدين أدوار رائعة في زمن كان محفوفاً بمخاطر كبيرة، وهذه الفسحة لا تكفي لذكرها جميعا.

ومع دخول وتمدد المد الماركسي، وهيمنة الفكر اليساري وزيادة نسبة التعليم، أخذت المرأة تثبت حضورها المميز مع وجود عثرة هنا وصعوبة هناك، وتنامت وتعددت الأطر الحزبية النسوية، ساهم بتطويرها في بعض من التنظيمات، ظهور كادرات آخذن على عاتقهن وانطلاقاً من خصوصياتهن التوسع في النشاط واستقطاب زميلاتهن  من جهة، وأن لامست بعضهن أيضاً أو تقاطعت بعض الحالات مع تيارات نسوية بحتة من جهة أخرى، وبالتأكيد يمكننا أن نتلمس تطور أنموذج الأم في رواية غوركي وروزا لوكسمبورغ مروراً إلى مارغريت جورج وبروز تجربة ليلى قاسم الأروع، والتي ظلت المؤثرة الأكبر في أجيال كاملة، إلا أن بعضاً منهن لم تفتهن أنموذج نوال السعداوي وإن بقيت كمظهر فرداني وإن تعدد، ناهيك عما يمارس عند بعض التوجهات في فرض الهيمنة الكلية لهن بعيداً عن الخلط المجتمعي الهادف لبلورة مفاهيم متساوية إلى عزل تاريخي ووسط قرى وقلاع محاصرة بمفاهيم تودي بشكل حتمي إلى بروز مستعمرة فكرية تنمي وتوسع في الشرخ البنيوي، تودي إلى انقسام خطير جداً في الفهم المجتمعي وتزيد من حالات الصراع البنيوي في إضافة نمط جديد وخطوات تنفيذية – عملية أي ما درج عليه تعريفا ب – المجتمع الذكوري و المجتمع الأنثوي.

 

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “266”

قد يعجبك ايضا