المرأة.. ومرآة الواقع

وليد حاج عبد القادر / دبي

منذ فجر التاريخ البشري ومع بداية التحول في العلاقات البينية بشرياً وضمن بيئاتهم المختلفة، والتي أخذت بعفوية تتجه  إلى ما يمكن وصفها بالشلليات، أو – ولعلها التوصيف الأدق – ما يمكن تعريفها كنوع من مقدمات لتنظيم وقوننة المجتمع، فظهرت العائلة الصغيرة كحلقة أخذت ترتقي كركيزة تموضعت عليها الأسس الناظمة لها، والتي مهدت بدورها للتعايش من جهة، وأسست الأرضية لإيجاد وتطوير القوانين التي نظمت بنية وتشكل العائلة من جهة أخرى، وهنا وكمسلمة واضحة، كانت للمرأة دورها المركزي، كعنصر جيني هام وأضحت من ركائز ذلك بأطوار جسدتها بمظاهر متعددة، فظهرت كأم – زوجة، لابل بأدوار مختلفة، تلك الأدوار ذاتها هي التي هيأت الأرضية المناسبة لتشكل الأسر ومن ثم تفرعاتها، وبالإستناد عليها تعددت تشكلات أنماط وبنى المجتمعات.

وهنا وللإنصاف، لابد من التوكيد على ذلك التوصيف الأدق التي نالته المرأة منذ ذلك العصر السحيق في التاريخ البشري، وببصمتها وحيويتها التي تفاعلت مع أدوارها المهيمنة، في أطول، لابل وأعقد مرحلة من التاريخ البشري، ولترتبط طورياً وبشكل عضوي مع أدوارها الأهم إن في تشكل أو حتى – خلق – أنماط لحيوات مختلفة، ارتبطت من جديد عضوياً بطبيعة وآلية الإنتاج الاقتصادي، والتي صنفها علماء الاجتماعيات مع بواكير ظهور الوعي وتمييز الإنسان بذاته عن الطبيعة وحيواتها، فكان تخطي مرحلة القنص والالتقاط وجني الأعشاب والنباتات، ومع بدايات مرحلة تدجين الحيوانات وترويضها، وظهور البدايات الأولى لما يمكن تسميته بالعائلات – الأسر التي ما كانت ارتقت لسويات القبائل، خاصة الرعوية – كوجر – منها، أو المستقرة – ديماني – والمتمازجة بين المستقرة منها والمتنقلة موسمياً، ولتظهر بوضوح أنماط لحالات من التنقل والإستقرار، حيث طفحت معها بعض من حالات بدائية لمفهومي الصراع والوحدة على أرضية التكامل والتعاضد من أجل البقاء، وفي العودة إلى هذين النمطين، مضافاً لها الأنموذج المتداخل، وفي ملاحظة لدور المرأة ومهامها ضمن هذه البيئات، سيبدو وببساطة في أنها بقيت مهيمنة وقابضة على زمام الأمور، أي الآمرة الناهية، لابل والمنخرطة جدياً في عملية الإنتاج، فكانت هي – بيريفان – اللصيقة بالقطيع، وكانت الفلاحة وغارسة البذرة في الأرض، وأنموذج تتجسد فيها عملياً ظاهرة الموت والتفسخ لتتجدد في طور نمو يبشر بحياة جديدة، في انسجام يتطابق مع جوهر ما اكتسبته تلك المجتمعات من مظاهر بدئية في التفكير، أو ما يمكن تعريفها بالحقائق التي تفسر وفق سياقتها الزمنية، سواءً كان في مفهوم الخلق والنشوء إلى معادلات نراها أرفع تصل إلى درجة الارتقاء، فلا غرو هنا.

وعلى هذه القاعدة أن تتسمى كل تلك المرحلة الطويلة من حياة البشرية بمرحلة الأمومة، أو بعنوان أوضح، مرحلة هيمنة المرأة على الأرض والسماء، فظهرت بدور القائدة الفعلية في داخل بنى العائلات، ولترتقي في مفهومها السيادي لتعبر إلى سدة السماء فتطوب ميثولوجيا كآلهة أخذت تتدرج في قداستها زمنياً حتى مراحل متأخرة نسبياً، وطبيعي، مع تحولات البنى المجتمعية كانعكاس حقيقي للمتغيرات الاقتصادية، خاصة مع التطور المذهل للبشرية، لا سيما بعد دخول البشرية عصر تطويع المعدن، وبروز عامل القوة البدنية، كلها متغيرات ساهمت بالتدرج للوصول إلى مرحلة وسطية أفرزت خلالها وأدت إلى صراعات عنيفة بين النمطين، وكانت الغلبة فيها لعنصر القوة الذي أخذ يلعب الدور الأبرز في فرض النمط، وبالتالي الاحتواء.

ومع الزمن برز جلياً ولحقب طويلة شملت من جملة ما شملت عصرنا الحالي أيضاً، وفي كثير من البقاع حيث سادت الهيمنة الذكورية، وكان من أبرز ملامحها أن المرأة بحد ذاتها، أصبحت واحدة من العناصر التي – روضت – اجتماعياً، وفي الواقع الكُردي، هناك كثير من القصص والحكايا والسير، تتعرض لبعض من النماذج التي ذكرناها (خاتونا زمبيل فروش، سينم، هش مراري) هذه النماذج التي تكشف عن نمطية في صميم الوعي الميثولوجي من جهة، وموضوعة التجليات القداسوية، وذلك كنوع من انهيار القداسات بنمطها التعبدي، والعودة تدريجياً بهذه الشخوص / النماذج المؤلهة ، واسباغ السمات البشرية عليها، وفي العودة إلى المرأة ودورها، خاصة في المجتمع الكُردي، نرى أنه بخلاف التراث والفولكلور، هناك شح معرفي كبير، وذلك في غياب وعدم توفر الكثير من المعطيات والوثائق الخاصة، سوى المنقولة منها شفاها، وفي هذا السياق بالذات، لربما سيكون من الأفضل، تبيان واقع المرأة الكُردية وتتبعها منذ بدايات القرن العشرين، والتي ساهمت الحملات التنويرية والثورات التي اتقدت حينها حيث أبرزت ملامح هامة يمكن الارتكاز عليها كوجهة نظر تبين ما للمرأة وما عليها، خاصة في ظل ذلك العنوان – الشرخ من حيث تقسيم المجتمع جنسياً، أي المجتمع الذكوري ونقيضه المجتمع الأنثوي من جهة وبالتالي عوضاً عن إزالة السياجات، نرى أنها تعمقها، وذلك في استهداف حقيقي بالضد من ثقافة الإنسان كفرد المبني أصلا على المساواة الحقيقية كواحدة من القيم الثابتة.

 

المقالة منشورة في جريدة “يكيتي” العدد 265

قد يعجبك ايضا