المشهد السياسي السوري ..بين بطش النظام وتغييب دور القادة

مروان عيدي

المعضلة الأساسية التي واجهت الشعب السوري منذ انطلاقة الثورة في آذار 2011 أنّ المعارضة السورية بأطيافها وتشكيلاتها لم تكن مهيّأة لهذا الحدث، لعوامل تتعلّق بتركيبة المعارضة والظروف المحيطة بدور النظام السوري على الصعيدين الدولي والإقليمي ، بالرغم من تجارب بعض الدول العربية التي سبقت سوريا بعملية التغيير والرضوخ لمطالب شعوبها ونجاح ثورات شعوب هذه الدول بتغيير الأنظمة دون الخوض في مآلاتها فيما بعد ونجاحها المستدام من عدمها ، بالعكس من النظام والدول المساندة والداعمة له. التي كان لديها معلومات مسبقة وربما حدّدت ساعة الصفر لانطلاقتها لما لهذا النظام من تجارب سابقة مع حراك شعوب سوريا فهم ربما مَن حدّدوا ساعة الصفر لحركة الإخوان المسلمين في بداية الثمانينات من القرن الماضي وأجهزت على تلك الحركة عسكرياً وسياسياً وكذا الأمر مع الكُرد في 2004 أي بعد تحرير العراق من نظام البعث وصدام حسين وحالة الانتعاش والزهو التي كان يشعر بها الشعب الكُردي في سورياً المتأمّلون بإنتقال تجربة جنوب كُردستان إلى غربها خاصةً والتحالف الدولي وأمريكا على حدودنا والدور الأساسي والجوهري للأحزاب الكُردستانية في عملية تحرير العراق هذه الإنتفاضة التي واجهها النظام بالقمع والقتل وسجن الآلاف من أبناء شعبنا ووأدَ الإنتفاضة.

ومنذ اللحظة الأولى حاول البعض من الانتهازيين إستغلال هذا الحراك وتجييره لصالحهم ولم يلتفت القائمون بهذا الحراك إلى ضرورة خلق قادة أو رموز ومنحهم الثقة لتمثيلهم، لأنه ومنذ تسلم البعث السلطة في سوريا منذ بداية الستينات من القرن الماضي اتّبعَ سياسة دكتاتورية شمولية غيّرت وجه سوريا التي نعمت بالديمقراطية منذ الإستقلال وطرد الفرنسيين وحتى تسلّم البعث للسلطة، فألغت الحياة السياسية وضربَت بيدٍ من حديد كلّ مَن يعارضها إلا أحزاب الكومبارس في الجبهة الوطنية التقدمية. وكذلك ألغت دور العشائر وشيوخها التاريخية في الحياة المجتمعية والسياسية، من خلال الاعتماد على المنبوذين والموالين من أبناء هذه العشائر وتسليمهم لمناصب رفيعة في الفروع الحزبية والأمنية والمناصب السياسية في الدولة، وتهميش دور الشيوخ والقادة الحقيقين، وبسبب حاجة أبناء الشعب إلى الخدمات والوظائف انتقلت الولاءات القبلية من الشيوخ والقادة إلى هؤلاء المنبوذين من أبناء هذه العشائر.

ومَن دفعت بهم الأحداث وممارسات النظام الدموية إلى مغادرة البلد شكّلوا أطراً للمعارضة، لم تكن سيدة نفسها أحياناً في إتخاذ المواقف مكرهين بحكم تواجدهم الجغرافي أحياناً وحاجتهم إلى الدعم والمساندة السياسية والمادية أحياناً أخرى. ومَن كانت لديهم التنظيمات السياسية وتحديداً الكُرد منهم ولهم باع طويل بمقارعة النظام حاول الحراك الشبابي وربما بتدخلات خارجية أو لقناعة لدى البعض منهم بعدم جدوى السير خلف هذه التنظيمات التي لم تجلب لهم ما يحتاجونه من الحرية أو اعترافاً دستورياً بأحقيتهم بالعيش كقوميةٍ ثانية وعلى أرضهم التاريخية تناسوا في تلك الأيام واللحظات مدى قوة السلطة والنظام التي كانت تضرب بيدٍ من حديد كلّ مَن تسوّل له نفسه التفكير باستنشاق هواء الحرية او المطالبة بها أو الإشهار بممارسة العمل السياسي خارج إطار حزب البعث وأحزاب الجبهة الموالية للنظام و خلق أزمة ثقة بمن كانوا يديرون هذه التنظيمات واستفاد من هذه التناقضات مَن كان يتربّص بالشعب الكُردي وقضيته العادلة و تمييعها وبالتالي العمل على إضعافها بالانشقاقات تارةً والتغاضي عن جلب النظام للشركات الأمنية وتسليمها المناطق الكُردية ،والعمل على ضرب هذه الأحزاب من الداخل و إضعافها وضرب الحاضنة الإجتماعية لها من خلال ممارسات دكتاتورية وقوانين وقرارات الهدف منها والغاية إفراغ المناطق الكُردية من الشباب وتناول رموز هذه الحركة وتشويه تاريخهم من خلال الاتهامات بالتهاون والعمالة أحياناً متناسين أنّ البعض من هؤلاء قد قضوا سنوات من أعمارهم في سجون الدكتاتوريات، ولم تغرهم كلّ المكاسب التي كان من الممكن أن يمنحها لهم النظام ، فيما لو تعاونوا وتغاضوا عن مطالب شعبهم وحقوقهم العادلة، والحال هكذا وبهذه الممارسات ساهموا، ولازال البعض، بوضع العصي والعوائق أمام المناضلين والمخلصين من قيادات وأعضاء هذه التنظيمات .

وبالتالي الأطر السياسية التي مارست وتمارس السياسة وتحارب على أكثر من جبهة ضمن المعارضة السورية نفسها، لما لها من ميراث ثقافي طويل في ظل البعث الشوفيني، وحاجة هذه المعارضة إلى الوقت للتخلص من ذاك الميراث. وبمواجهة النظام من خلال المؤتمرات المتلاحقة في جنيف منذ 2012 واللجنة الدستورية ناهيك مع مَن بات يدير مناطقنا باسم الإدارة الطوباوية الشمال شرق سوريا واحتكارها للقرار السياسي والعسكري وما يجلبه وجلبه لنا من خسائر في (عفرين وسري كانييه وكري سبي) لإقناع المجتمع الدولي وبالتالي شركائنا في الوطن بعدالة قضيتنا ومشروعيتها. وضرورة فرضها ضمن إطار الحل السياسي الشامل في البلاد.

والحال هكذا لا يمكن لأي ثورة أو حراك جماهيري أن يُكتب له النجاح مالم يكن لديه قادة ورموز يديرون دفة الصراع، مستعدّون للتضحية بأرواحهم وأموالهم ليكونوا بمستوى طموحات شعبهم. ومستوى ودرجة وعي هذه الشعوب يجعلهم يسعون لخلق هؤلاء القادة إن كانوا يفتقرون لهم.

تمت قراءتها 163 مرة

قد يعجبك ايضا