
عبدالحميد جمو
كنا نقطن في أحد أحياء مدينة قامشلي، وضعنا المادي كان جيدًا، ومنزلنا واسع يضمّ غرفًا عديدة وساحة سماوية كبيرة. كانت لنا غرفة خاصة، بينما لم يكن يُسمح لنا بدخول بقية الغرف، بل حتى اللعب في البهو كان ممنوعًا في كثير من الأحيان، خاصة عندما يكون لدينا ضيوف، وكان منزلنا لا يخلو منهم أبدًا.
عائلة والدي كانت تُعرف بأنها من الأغاوات أو مما يُسمّى بعائلة برجوازية، وكان والدي أحد وجهاء المنطقة. لم يكن يبدو عليه الترف رغم مكانته، فقد كان بسيطًا في مظهره وملبسه. كنت أكبر إخوتي في أسرتي الصغيرة، التي تضمّ والديّ وأختًا وأخًا أصغر مني.
لم يكن يخلو منزلنا يومًا من الضيوف، وكثير منهم كانوا ينامون في الغرفة الكبيرة المخصصة لهم (المضافة). والدتي وخالتي كانتا تقومان على خدمتهم دون ضجر أو تأفف، بل الغريب أنهما كانتا تجلسان أحيانًا مع الضيوف حتى في غياب والدي. وكنت أسمع بعض الهمسات من نساء الحي، يتهامسن عن والدتي، يتهمنها بأنها لا تستحي، تجالس الغرباء دون غطاء على رأسها، وأحيانًا كانت تُتهم بأمور أخرى لا أخلاقية.
كان والدي يغيب كثيرًا، وأحيانًا يدخل رجال غرباء إلى منزلنا برفقة جار لنا، يبدو أنهم لم يكونوا مرحبًا بهم، إذ كان والدي يخرج معهما ليعود بعد فترة وكأنه مريض. كنت أسمع كلمة “المباحث” تُتداول، لكن لم أكن أفهم معناها. رغم شجاعة والدي، لم يكن يبدي أي مقاومة أمام هؤلاء الرجال، حتى عندما كانوا يضربونه.
إلى أن جاء يوم لم يطرقوا فيه الباب، بل كسروه واقتحموا منزلنا. لم يكونوا كالذين اعتدنا رؤيتهم، كانوا جميعًا يرتدون زي الشرطة، على أكتافهم أشرطة حمراء، ومسلحين بأسلحة لم أرها من قبل، عرفت لاحقًا أنها تُسمى “بارودة كندية”. انهالوا بها ضربًا على والدي، وسحلوه خلفهم، ولن أنسى ذلك السمين الأسود الذي عاد إلى والدتي، التي كانت تضمّنا في زاوية الغرفة. لا أعلم ماذا قال لها، لكنه كان يصرخ، ثم ركلها بقوة، فاصطدم رأسها بالحائط وأخذ ينزف، قبل أن يغادر وهو يكيل الشتائم.
في مساء ذلك اليوم، جاء خالي ليقيم معنا. كان طيبًا وحنونًا مثل والدي، يلبّي كل احتياجاتنا، لكنه لم يكن والدي. كنت أشتاق له، وكلما سألت عنه، كانت والدتي تكتفي بالبكاء، بينما يحاول خالي تهدئتها.
مر وقت طويل على غيابه، وفي ليلة، سمعنا طرقًا عنيفًا على الباب. شحبت والدتي وارتجفت، وانتفض خالي ليرى من الطارق، ثم عاد مسرعًا وقال لوالدتي: “اتركي كل شيء، علينا الرحيل فورًا”. حملت والدتي أختي الصغيرة وأمسكت بيدي، بينما حمل خالي شقيقي. خرجنا بملابسنا فقط، لا نعرف إلى أين. كلّ ما أذكره أننا وصلنا إلى نهر، صوت جريان المياه أرعبني، فبكيت خوفًا، لكن أمي صرخت بي لأصمت، وخالي طمأنني: “وصلنا، لا تخف”.
دخلنا مكانًا مليئًا بالأشجار والحشائش الشوكية. رغم أننا كنا في الصيف، إلا أنني كنت أرتجف بردًا. لم تطل رحلتنا بين الأشجار حتى وصلنا إلى منزل مهجور بالقرب من النهر، مكثنا فيه بضعة أيام. في إحدى الليالي، جاء رجل إلى خالي وقال له: “الليلة نتحرّك”. رأيت خالي مضطربًا، يدخّن بكثرة، يتنقّل بين الغرف، يخرج إلى الفناء، ينظر إلى السماء، يلتفت حوله وكأنه يبحث عن شيء ضائع. حتى هبط الليل، فخرج متحسسًا المكان، ثم قال: “لنذهب”.
سرنا قليلًا حتى وجدنا الرجل ينتظرنا عند النهر، ومعه شيء يشبه البرميل يطفو على الماء. قال لخالي: “هات الأطفال، وأنتم اسبحوا بهدوء”. من شدة التعب والجوع والخوف، نمت أنا وإخوتي داخل البرميل. لم أعرف متى خرجنا من الماء، لكني استيقظت على وجوه ترحّب بنا، دموع إحداهن سقطت على وجنتي.
دخلنا المنزل، وكان والدي هناك، ممددًا في الفراش. ضمّنا إليه بلهفة، ولأول مرة رأيته يبكي، وكان الجميع يبكون لبكائه.
مضت الأشهر ونحن في ذلك المنزل، استعاد والدي عافيته، لكنه كان يختبئ كلما رأى “الجندرمة” التركية، ولم يكن يجيبني عندما أسأله عن السبب. لماذا تركنا منزلنا الكبير وجئنا إلى هذا المنزل المبني من الحجر والطين؟ حين كررت سؤالي، قالت أمي بحزم: “أباك متعب، ستفهم لاحقًا”.
كان منزلنا الجديد ساكنًا، لا حياة فيه. لم يكن أحد يسكن بالجوار، ولم نكن نرى الضيوف الذين اعتدنا عليهم، باستثناء خالي ورجلين يأتيان ليلاً كالأشباح، يدخلون المنزل خفية، يحذروننا من الضجيج، يمنعوننا من اللعب نهارًا، وكأننا مكبّلون.
حتى جاء اليوم الذي دخل فيه خالي ومعه الرجلان والنساء، بفرح وكأنهم في عرس. قال أحدهم لوالدي: “أبشّرك، الأمور تيسرت”. تعانقوا، وسأل والدي: “متى نتحرّك؟”، فأجابه خالي: “فورًا، جهّزوا أنفسكم”.
بدأت والدتي بلملمة الأغراض، ثم خرجنا، وهذه المرة، رأيت السماء من خارج المنزل لأول مرة منذ قدومنا إلى تركيا. المساحة شاسعة، كلها خضرة وأشجار. كنا نسير، وأمي تجرّني من يدي وتقول: “أسرع”.
وصلنا إلى عربة تجرّها الخيول، صعدنا إليها، لكن خالي لم يكن معنا، بقي هناك. ناديته، فأشار إليّ: “سألحق بكم”. تحرّكت العربة، وظلّلت أنظر إليه حتى اختفى عن ناظري.
سارت بنا العربة حتى وصلنا أطراف مدينة، حيث كانت هناك سيارات عدة. تقدّم رجل نحو والدي وصافحه، ثم قال: “العربة بانتظاركم”. استغربت، فقلت: “كل هذه السيارات، ونركب عربة مرة أخرى؟”. تبسّم أبي وأشار لي بالصمت.
سرنا حتى وصلنا إلى سيارة تقلّ عمالًا، صعدنا فيها، وانطلقنا نحو مدينة إزمير. هناك، كانت الحياة تبدو طبيعية، لعبتُ للمرة الأولى، ورأيت البحر. ثم جاء الرجل ذاته الذي أوصلنا إلى المدينة، وأخذنا إلى مكان مزدحم. أشار إلى سفينة ضخمة، وقال: “هذا هو البابور”. ارتجفت، ظننت أنهم سيحرقوننا.
انطلقت بنا السفينة، وبقينا في البحر أيامًا لا أعرف عددها، حتى وصلنا إلى مدينة مليئة بالأنوار والضجيج. كان هناك الكثير من الناس، والسيارات، لكن ما أرعبني هو الشرطة المنتشرة في كل مكان. صرخت: “أبي، اختبئ! سيأخذونك!”، لكنه تبسّم للمرة الأولى منذ زمن، وقال: “بُني، نحن في ألمانيا”.
اقتربت الشرطة من والدي، لكنهم لم يكونوا سيئين، بل صافحوه. كانوا يتحدّثون معه بلطف، ويبتسمون. لم أفهم حديثهم، لكن تصرفاتهم كانت توحي بالثقة.
من خلال الحديث الدائر بين الشرطة و والدي سمعت كلمة هروب من الاعتقال ونفاذ من الإعدام علمت من أسارير وجوه العسكر المسالمين وتأثرهم الواضح فهمت أنّ المقصود ابي فرّ من السجن ونجا من الإعدام وفهمت أيضاً سبب ما كانت عليه حاله من ضعف وصمت وسبب هروبه و الاختباء من الجندرمة .
نظر الشرطي باتجاهنا ثم اقترب مني، جثا على ركبتيه، وتحدّث إليّ بلغة لم أفهمها، لكنه كان يبتسم. أشعل ذلك الأمان في داخلي، من هنا بدأت رحلتي الجديدة… في الغربة






