“المنطقة الآمنة”.. بداية حرب أم سلام ؟

إيفان حسيب

في ختام المباحثات التي جرت بين مسؤولين عسكريين من الطرفين، بين 5 و7 أغسطس/ آب الجاري، توصلت أنقرة وواشنطن إلى اتفاق يقضي بإنشاء مركز عمليات مشتركة في تركيا لتنسيق وإدارة “منطقة آمنة” في شمال شرقي سوريا في خطوة جاءت للحد من احتمالات تنفيذ أنقرة لتهديداتها بالقيام بتحرك عسكري منفرد ضمن مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شرق نهر الفرات.

اتفاق دون تفاصيل

ثلاثة أيام من المباحثات الأمريكية – التركية وُصِفت بـ”المتوترة والصعبة”، أعلن بعدها الطرفان عن الاتفاق على “إجراءات سريعة لتبديد مخاوف تركيا واستجابة لمطالبها الأمنية”، دون الكشف عن تفاصيل أكثر حول السقف الزمني لتطبيق الاتفاق وعمق المنطقة الآمنة وأبعادها والقوات المسيطرة عليها وآلية إخراج “قسد” التي تشكل وحدات حماية الشعب (الكوردية) عمودها الفقري، إضافة إلى إخلاء المنطقة من الأسلحة الثقيلة.

تفاصيل تخفي خلفها احتمالات مفتوحة كثيرة حول حقيقة وصول أنقرة وواشنطن إلى اتفاق يمكن تطبيقه عملياً على الأرض، فوفقاً للرؤية التركية، فإن “المنطقة الآمنة” تشمل المساحة الجغرافية الواقعة شمال الطريق الدولي M4 الاستراتيجي، الذي يربط مدن ومناطق الشمال السوري بعضها ببعض، وتضم هذه المنطقة مدناً وبلدات تابعة لثلاث محافظات سورية، هي حلب والرقة والحسكة ذات الغالبية الكوردية، وتمتد على طول 460 كم وبعمق 30-40 كم على طول الحدود التركية –السورية، وما يعزز هذه الرؤية أكثر نشر خريطة “ممر السلام” من قبل موقع “TR Diplomacy” المقرّب من مصادر القرار التركية في مطلع العام الحالي والتي تتطابق مع الرؤية التركية الحالية، فيما لم يتجاوز العرض الأمريكي بعض المناطق المنفصلة عن بعضها البعض منها مدينة كري سي (تل أبيض) ومناطق في ريف سري كانيه (رأس العين) وبعمق يتراوح بين 4 – 14 كم. من جانبها، طرحت “قسد” رؤية ثالثة مختلفة تقضي بإقامة منطقة آمنة بعمق خمسة كيلومترات فقط وتصل إلى 7كم في بعض مناطقها مع استثناء المدن والبلدات المحاذية للشريط الحدودي وبضمان سحب وحدات حماية الشعب والأسلحة الثقيلة إلى خارج هذه المنطقة، الأمر الذي رفضته أنقرة بشدة.

مخاوف تركية من تكرار “اتفاق منبج”

تركيا التي رحبت بالاتفاق بدت متوجسة منه أيضاً لأنها تخشى تكرار تجربة “اتفاق منبج”، وسرعان ما أعلن وزير خارجيتها في 8 أغسطس الجاري أن بلاده لن تسمح بتأخير تنفيذ عملية “المنطقة الآمنة” في سوريا لئلا تلقى مصير اتفاق مدينة منبج حسب تعبيره.

ولطالما اتهمت تركيا الولايات المتحدة بالمماطلة وعدم الالتزام باتفاق منبج والتهرب من تنفيذ بنوده والذي لم يتخطَّ عملياً تسيير دوريات مشتركة بين القوات التركية والأمريكية، بينما كانت أنقرة تطالب بتسليم “قسد” سلاحها والخروج من منبج وهذا ما لم يحدث بعد ولا يتوقع حدوثه قريباً.

مسؤولو “مجلس سوريا الديمقراطية” من جانبهم وصفوا اتفاق “المنطقة الآمنة” بالغامض وغير الواضح، فيما نفت “إلهام أحمد” الرئيسة المشتركة للهيئة التنفيذية لـ “مسد” في تغريدة لها على حسابها في موقع تويتر 11 أغسطس الجاري وجود أي خارطة طريق لتنفيذ الاتفاق، مشيرة إلى أن ” كل المحاولات الموجودة هي في سبيل الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وإنهاء الهواجس المتبادلة على طرفي الحدود السورية – التركية”.

خطط أنقرة تصطدم بصخرة واشنطن

جاء موقف الولايات المتحدة الأمريكية حازماً بعد يومين من تهديد الرئيس التركي بشن عملية عسكرية في شرق الفرات ضد وحدات حماية الشعب وتصريحه أنه أبلغ موسكو وواشنطن بخصوص ذلك، حين حذر وزير الدفاع الأمريكي “مارك إسبر” أثناء زيارته لليابان في 6 أغسطس من شن تركيا لأي عملية عسكرية ضد “قسد” واصفاً إياها بـ “غير المقبولة”، وأن “بلاده ستمنع أي توغل أحادي تركي في سوريا من شأنه أن يؤثر على المصالح المشتركة للولايات المتحدة وتركيا وقوات سوريا الديمقراطية”.

ويبدو أن تركيا الطامحة إلى توسيع نفوذها العسكري داخل الأراضي السورية من خلال عملية عسكرية جديدة عاجزة حالياً عن تكرار سيناريو عملية “غصن الزيتون” التي انتهت باحتلال الجيش التركي وفصائل سورية موالية له مدينة عفرين في آذار من العام الفائت، فالوضع في شرق الفرات مختلف ومعقد إلى حد كبير، خاصة مع وجود قواعد عسكرية أمريكية وقوات فرنسية وأخرى بريطانية إلى جانب قوات محدودة للحكومة والجيش السوري في محافظة الحسكة، بالإضافة إلى أن أي تدخل عسكري تركي من شأنه التشويش على أولويات التحالف الدولي في تقويض النفوذ الإيراني في المنطقة، ناهيك عن وجود عشرات الآلاف من أسرى داعش في معتقلات قوات سوريا الديمقراطية التي حذرت أكثر من مرة من عدم القدرة على تأمينهم في حال شنت تركيا أي هجوم على المنطقة، وكل ذلك تزامناً مع إعلان تقرير البنتاغون مؤخراً عن عودة تنظيم داعش للظهور في سوريا، والذي عزا انتعاش التنظيم الإرهابي مجدداً إلى الانسحاب الجزئي لبعض القوات الأمريكية من المنطقة.

إن إقدام تركيا على هذه الخطوة الأحادية، إن حدثت، كفيلة بخلق حالة من الفوضى قد تبدد جهود التحالف الدولي في إعادة الاستقرار إلى مناطق شمال وشمال شرق سوريا والحد من نشاط تنظيم داعش وخلاياه في شرق الفرات، كما أن إنشاء “منطقة آمنة” ذات نفوذ عسكري تركي واسع إلى جانب فصائل موالية له سيزيد تعقيدات الأزمة السورية وتشعباتها ويخلق مشاكل لجميع الأطراف المتناحرة على الخريطة السورية في ظل توقع نزوح مئات الآلاف من المدنيين الكورد، مما سيخلق أزمة إنسانية كبيرة.

إن خياراً كهذا قد يمنح دول “محادثات أستانة ” ( تركيا – إيران – روسيا) نفوذاً أوسع على الأرض السورية وبشكل يتعارض مباشرة مع المصالح الأمريكية والسعودية والإماراتية ولا سيما إن حصلت تركيا على دعم قطري محتمل في حملتها هذه.

اتفاق ينزع فتيل الحرب

“لن تقف الولايات المتحدة عسكرياً في وجه تركيا لتدافع عن “قسد” في حال إصرار الرئيس التركي على الخيار العسكري”، هذا ما صرح به لمجموعة من الصحفيين القيادي في الإدارة الذاتية “آلدار خليل”، قبل يوم من بدء المحادثات التركية -الأمريكية في أنقرة، إلا أنه لم يشكك في سعي واشنطن الجاد لإيجاد حلول “وسطية” بين رؤية أنقرة والإدارة الذاتية حول موضوع “المنطقة الآمنة” ما يجنب المنطقة خيار الحرب ويحافظ على مصالح التحالف الدولي مع قسد.

تعاملت الولايات المتحدة منذ البداية مع الطرح التركي بإنشاء “منطقة آمنة” شرق الفرات وفق تكتيك كسب الوقت والمماطلة كما حدث في منبج تماماً، واتخذت واشنطن طيلة السنوات الماضية من الحرب ضد تنظيم داعش ورقة ضغط في وجه السعي التركي المتكرر للتدخل العسكري ضد وحدات حماية الشعب، هذه الحرب التي فرضت فيها “قسد” نفسها حليفاً قوياً للتحالف الدولي على الأرض وفق ما أكده المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية بالتزام بلاده بدعم حلفائه وإلحاق الهزيمة بتنظيم داعش، في إشارة منه إلى “قسد”.

من عفرين إلى شرق الفرات.. ماذا فعلت الإدارة الذاتية؟

لن تحدّ اتفاقية “المنطقة الآمنة” بين أنقرة وواشنطن من سعي تركيا لإنهاء وجود قوة كوردية مسلحة على حدودها ممثلة في وحدات حماية الشعب (YPG) التي تعتبرها أنقرة الذراع السوري العسكري لحزب العمال الكوردستاني المصنف “إرهابياً” لدى تركيا والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، ولكن ما المطلوب من الإدارة الذاتية فعله من أجل مواجهة هذا الموقف والخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر وتجنيب المنطقة حرباً لا تحمد عقباها؟.

أعتقد أن الإدارة الذاتية مسؤولة بالدرجة الأولى عن سحب الذرائع والحجج التركية عبر القيام بخطوات جدية وشجاعة وعلى رأسها إبعاد عناصر الكوردستاني عن الساحة السورية وحظر رفع صور رموز وأعلام الحزب المذكور، إلى جانب ضرورة إعادة هيكلة الإدارة الذاتية بما يضمن مشاركة حقيقية لمكونات المنطقة والأطراف السياسية التي لا تدور في فلكها وخاصة المجلس الوطني الكوردي المعارض والحليف للحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة الرئيس مسعود البارزاني، الذي يحظى بشعبية لا يستهان بها بين الكورد السوريين، وكذلك تعزيز الجبهة الداخلية وتحصينها عبر الانفتاح على الآخر وتقليص نفوذ واحتكار حزب “الاتحاد الديمقراطي” للسلطة، ومنح المصداقية لمواقف أمريكا وفرنسا وسائر الدول المتعاطفة مع الكورد السوريين في مواجهة التهديدات التركية.

إن الحرب التركية التي تستهدف في ظاهرها “العمال الكوردستاني” وفي عمقها تغيير التركيبة السكانية في مدن وبلدات “كوردستان سوريا” على امتداد الشريط الحدودي بهدف تبديد أي حلم كوردي في إقليم فيدرالي أو حكم ذاتي بغض النظر عن الطرف السياسي أو الجهة التي تقوم على إنشائه.

منذ أكثر من قرن، تعاني تركيا من العقدة الكوردية وترى في كل من يدعو إلى الحق الكوردي خطراً يجب القضاء عليه، وقد ظهر ذلك جلياً في الانتهاكات التي مارسها الجيش التركي والفصائل الموالية له بحق الكورد في عفرين منذ أكثر من 18 شهراً، وهذا بالضبط ما دفع البنتاغون مؤخراً لتحذير تركيا من تكرار هذه الممارسات في “المنطقة الآمنة” في بيانه بأن الاتفاق بين الولايات المتحدة وتركيا لن يتضمن في أي بند من بنوده العمل على التغيير الديمغرافي للمنطقة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي يكيتي ميديا

قد يعجبك ايضا