المواطنة أم المحاصصة؟ سوريا الجديدة بين تبديل الوجوه وغياب البوصلة السياسية
د نور الدين خوشناو
تمرّ سوريا اليوم بمرحلة سياسية شديدة الحساسية، لا تقلّ تعقيدًا عن مرحلة الحرب نفسها. فبعد سقوط النظام السابق ودخول البلاد في مرحلة انتقالية جديدة، كان من المفترض أن تبدأ السلطة الجديدة في دمشق ببناء رؤية سياسية واضحة تقوم على المصالحة الوطنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحديد شكل الحكم، والعلاقة بين المركز والأطراف، وموقع سوريا في النظامين الإقليمي والدولي.
غير أنّ ما يجري على أرض الواقع يوحي بأنّ السلطة السورية الجديدة ما زالت تتحرّك في منطقة رمادية، بين الحاجة إلى إرضاء الداخل، ومحاولة طمأنة الخارج، والاعتماد على توازنات إقليمية ودولية لم تتضح بعد. فالتغييرات الوزارية والإدارية الأخيرة، وخصوصًا أول تعديل حكومي، منذ سقوط الأسد، أثارت أسئلة كثيرة حول طبيعة القرار السياسي في دمشق: هل نحن أمام عملية إصلاح حقيقية؟ أم مجرد تبديل أسماء داخل بنية حكم لم تتضح معالمها بعد؟
بحسب تقارير صحفية دولية، أجرى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع أول تعديل حكومي منذ سقوط بشار الأسد، شمل تعيين خالد زعرور وزيرًا للإعلام بدلًا من حمزة المصطفى، ونقل الأخير إلى وزارة الخارجية، إضافة إلى تعيين باسل سويدان وزيرًا للزراعة، واستبدال محافظين في حمص والقنيطرة ودير الزور، وهي محافظة ذات أهمية خاصة بسبب مواردها النفطية. ولم تُقدَّم، وفق ما نُشر، تفسيرات رسمية كافية لأسباب هذه التغييرات، رغم أنها جاءت في سياق انتقادات شعبية تتعلّق بالأوضاع الاقتصادية وضعف الأداء الحكومي واتهامات سابقة بالمحسوبية.
تبديل الوزراء أم تبديل السياسات؟
في الأنظمة المستقرة، لا يكون التعديل الوزاري مجرد حدث إداري، بل رسالة سياسية. فعندما تُغيَّر الحكومة أو يُنقل وزير من موقع إلى آخر، يفترض أن يكون ذلك مرتبطًا بتقييم واضح للأداء، أو بتوجه جديد في السياسة العامة، أو باستجابة لمطالب اجتماعية واقتصادية. أما في الحالة السورية الراهنة، فإنّ المشكلة لا تكمن في التعديل نفسه، بل في غياب الشرح السياسي والمؤسساتي له.
فالسوريون لا يعرفون بوضوح لماذا جرى تغيير هذا الوزير دون غيره، ولماذا نُقل وزير الإعلام إلى الخارجية، ولماذا جرى استبدال محافظين في محافظات حسّاسة، وما إذا كانت هذه التغييرات تعبّر عن مراجعة داخلية حقيقية أم عن إعادة توزيع للثقة داخل دائرة السلطة.
وهنا يظهر جوهر الأزمة: السلطة السورية الجديدة تبدّل الأشخاص، لكنها لم تقدّم حتى الآن خطًا سياسيًا واضحًا. هل هي ذاهبة نحو دولة مدنية تعددية؟ هل تؤمن فعلًا باللامركزية؟ ما موقفها النهائي من الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا؟ كيف ستتعامل مع السويداء؟ ما شكل الدستور القادم؟ وما حدود دور القوى الإسلامية داخل الدولة؟
هذه الأسئلة لم تجد بعد إجابات واضحة.
سلطة تبحث عن الاعتراف أكثر من بناء العقد الداخلي
من الواضح أنّ دمشق الجديدة تبذل جهدًا كبيرًا للحصول على اعتراف دولي وإقليمي. فقد بدأت سوريا تعود تدريجيًا إلى بعض المسارات المالية والدبلوماسية الدولية، حيث أشارت تقارير إلى مشاركة سوريا في محادثات مالية مع مجموعة السبع في باريس، في خطوة تهدف إلى دعم التعافي الاقتصادي وإعادة ربط البلاد بالنظام المالي العالمي. كما اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات لتخفيف بعض القيود على مؤسسات سورية، مع إبقاء عقوبات مرتبطة بشبكات النظام السابق.
هذه التحركات مهمة بلا شك، لأنّ سوريا تحتاج إلى إعادة إعمار، ورفع عزلة، واستثمارات، ومساعدات، وإعادة بناء مؤسسات. لكنّ الخطر يكمن في أن تتحوّل السياسة السورية إلى مجرد بحث عن رضا الخارج، بينما تبقى الأزمة الداخلية معلّقة.
فالاعتراف الدولي لا يصنع دولة وحده. والدعم المالي لا يخلق شرعية سياسية إذا لم يكن هناك عقد وطني داخلي. وسوريا لا تحتاج فقط إلى إعادة فتح السفارات أو حضور الاجتماعات الدولية، بل تحتاج قبل ذلك إلى تحديد طبيعة الدولة التي تريد بناءها.
الاعتماد على القوى الإقليمية والدولية
تبدو السلطة السورية الجديدة، حتى الآن، وكأنها تتحرك تحت ضغط قوى متعددة: الولايات المتحدة، تركيا، دول الخليج، أوروبا، وربما أطراف إقليمية أخرى. وهذا مفهوم جزئيًا، لأنّ سوريا خرجت من حربٍ طويلة، واقتصادها منهك، ومؤسساتها ضعيفة، وملف العقوبات وإعادة الإعمار يحتاج إلى موافقة دولية واسعة.
لكنّ المشكلة تبدأ عندما يصبح الخارج هو الذي يحدّد سقف السياسة الداخلية. فإذا كانت دمشق تنتظر الإشارة من القوى الإقليمية والدولية في كل ملف، فإنّ ذلك يعني أنّ القرار الوطني السوري ما يزال غير مكتمل. وفي هذه الحالة، تصبح التغييرات الوزارية والإدارية أقرب إلى رسائل للخارج منها إلى مشروع إصلاحي داخلي.
فالتعامل مع تركيا يضغط على ملف الشمال، والتعامل مع الولايات المتحدة يضغط على ملف العقوبات والإدارة الذاتية، والتعامل مع الخليج يضغط على ملف التمويل وإعادة الإعمار، والتعامل مع أوروبا يضغط على ملف اللاجئين والحوكمة وحقوق الإنسان. وبين هذه الملفات المتداخلة، تبدو دمشق وكأنها لم تنجح بعد في صياغة سياسة وطنية مستقلة ومتوازنة.
أزمة الدولة: المركز والأطراف
إحدى أكبر مشكلات سوريا اليوم هي العلاقة بين المركز والأطراف. فدمشق ما زالت تميل إلى النظر إلى الدولة من زاوية مركزية شديدة، بينما تغيّرت سوريا فعليًا خلال سنوات الحرب. لم تعد البلاد كتلة واحدة يمكن إدارتها من العاصمة وحدها، بل أصبحت تضمّ مناطق وتجارب وسلطات محلية وقوى اجتماعية وعسكرية مختلفة.
في شمال وشرق سوريا توجد الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، وفي السويداء توجد خصوصية اجتماعية وسياسية واضحة، وفي الساحل توجد حساسيات مرتبطة بمرحلة ما بعد النظام السابق، وفي الشمال الغربي توجد تعقيدات مرتبطة بتركيا والفصائل. لذلك فإنّ العودة إلى نموذج الدولة المركزية الصلبة قد لا تكون حلًا، بل قد تفتح باب صراعات جديدة.
إنّ الدولة السورية القادمة لا يمكن أن تُبنى بمنطق الغلبة أو فرض المركز على الأطراف، بل بمنطق الشراكة والاعتراف المتبادل. فالمشكلة ليست فقط في شكل الحكم، مركزية أم لامركزية، بل في طبيعة العقد السياسي نفسه. هل يشعر الكُرد والدروز والعلويون والسنة والمسيحيون وبقية المكونات أنهم شركاء في الدولة؟ أم أنهم مجرد جماعات يُطلب منها الخضوع لمركز جديد؟
غياب الخط السياسي الواضح
حتى الآن، لا يبدو أنّ لدى السلطة السورية الجديدة خطًا سياسيًا واضحًا يمكن قراءته بسهولة. فهي تطرح خطابًا عامًا عن الدولة والاستقرار وإعادة البناء، لكنها لا تقدّم تفاصيل كافية حول الدستور، والحريات، والتعددية، والانتخابات، واللامركزية، وموقع الجيش والأمن، والعلاقة بين الدين والدولة.
وهذا الغموض قد يكون مقصودًا أحيانًا لتجنّب الصدام مع الأطراف المختلفة، لكنه على المدى الطويل يتحوّل إلى عامل قلق. فالمجتمعات الخارجة من الحرب تحتاج إلى وضوح، لا إلى إدارة مؤقتة دائمة. وتحتاج إلى مؤسسات، لا إلى قرارات مفاجئة. وتحتاج إلى ثقة، لا إلى غموض.
إنّ تغيير الوزراء أو المحافظين يمكن أن يكون خطوة إيجابية إذا كان جزءًا من مسار إصلاحي واضح. لكنه يصبح مجرد إجراء شكلي إذا لم يرتبط برؤية سياسية أوسع. فالسؤال الحقيقي ليس: من هو الوزير الجديد؟ بل: ما السياسة الجديدة؟ ما البرنامج؟ ما الضمانات؟ وما الاتجاه العام للدولة؟
المواطنة أم المحاصصة؟ سؤال التمثيل في سوريا الجديدة
من الأسئلة الجوهرية التي يجب أن تُطرح اليوم على السلطة السورية الجديدة: هل سنرى في بنية الحكم القادمة علويين ودروزًا وكُردًا وآشوريين وأرمنًا ومسيحيين وسنّة وشيعة وغيرهم بوصفهم مواطنين سوريين متساوين، أم سيبقى حضورهم مجرد حضور رمزي أو شكلي؟ وهل سيكون اختيار المسؤولين قائمًا على الكفاءة والانتماء الوطني، أم على الولاء السياسي والديني والأيديولوجي؟
إنّ الدولة التي تقول إنّ جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، يجب أن تترجم هذا الشعار إلى واقع عملي داخل مؤسسات الحكم. فالمساواة لا تُقاس فقط بالنصوص الدستورية والخطابات العامة، بل تُقاس أيضًا بطريقة اختيار الوزراء، والمحافظين، والقضاة، والضباط، والمستشارين، ومديري المؤسسات العامة. فإذا كانت الدولة تؤمن فعلًا بأنّ المواطن السوري متساوٍ مع غيره، فإنّ السؤال الطبيعي يصبح: لماذا لا يكون الشخص المناسب في المكان المناسب، بغضّ النظر عن دينه أو مذهبه أو قوميته أو منطقته؟
في الدول الحديثة، لا يُفترض أن يكون الانتماء الديني أو القومي أو الطائفي عائقًا أمام تولي المسؤولية العامة. فالمعيار الحقيقي يجب أن يكون الكفاءة، والخبرة، والنزاهة، والقدرة على خدمة الدولة والمجتمع. أما إذا أصبحت مؤسسات الدولة محصورة في لون سياسي أو ديني أو مناطقي واحد، فإنّ ذلك لا يبني دولة وطنية، بل يعيد إنتاج منطق الغلبة والإقصاء، حتى لو جاء بلغة جديدة وشعارات مختلفة.
ومن هنا يبرز سؤال مهم: هل لدى السيد أحمد الشرع، أو السلطة الجديدة في دمشق عمومًا، مستشارون من مختلف المكونات السورية؟ هل توجد أصوات من الساحل، ومن السويداء، ومن الجزيرة، ومن الكُرد، والآشوريين، والأرمن، والمسيحيين، وبقية المكونات داخل دائرة القرار؟ أم أنّ التوجه العام ما زال محصورًا في إطار أيديولوجي أو إسلامي ضيق؟
وجود مستشارين من مختلف البيئات السورية لا يعني المحاصصة بالضرورة، بل يعني أنّ الدولة تريد أن تسمع المجتمع كله، لا أن تسمع صوتًا واحدًا فقط. فالرئيس أو القائد السياسي في أي دولة متعددة المكونات يحتاج إلى رؤية واسعة، وهذه الرؤية لا تُبنى من خلال دائرة مغلقة، بل من خلال الاستماع إلى المختلفين، وفهم مخاوفهم، وإدراك حساسياتهم التاريخية والسياسية.
سوريا ليست مجتمعًا أحاديًا، ولا يمكن إدارتها بعقلية اللون الواحد ،فهي بلد متنوع دينيًا وقوميًا وثقافيًا ومناطقيًا ، وفي بلد كهذا، لا يمكن بناء الاستقرار من خلال الإقصاء أو فرض هوية سياسية واحدة على الجميع، بل من خلال عقد وطني جديد يعترف بهذا التنوع ويحوّله إلى مصدر قوة بدل أن يبقى مصدر خوف وصراع.
إنّ الانتماء إلى الوطن يجب أن يكون هو المعيار الأول. فالسؤال ليس: هل هذا المسؤول كُردي أو عربي أو درزي أو علوي أو آشوري أو أرمني؟ بل السؤال: هل هو كفء؟ هل يؤمن بسوريا لجميع السوريين؟ هل يحترم القانون؟ هل يدافع عن حقوق المواطنين؟ هل يستطيع أن يخدم الدولة دون أن يحوّلها إلى أداة لخدمة جماعته أو حزبه أو أيديولوجيته؟
هنا تظهر أهمية مفهوم المواطنة. فالدولة الوطنية لا تقوم على البيعة، ولا على الولاء الشخصي، ولا على الخضوع لفئة حاكمة، بل تقوم على القانون. والمواطن لا يحتاج إلى إثبات ولائه كل يوم لكي يحصل على حقوقه، لأنّ الحقوق في الدولة الحديثة لا تُمنح كهدية من السلطة، بل تُكفل بالقانون والدستور والمؤسسات.
ومن دون قانون يحمي المواطن من تعسف السلطة، ومن دون قضاء مستقل، ومن دون دستور واضح، ومن دون مؤسسات تمثيلية حقيقية، ستبقى أي حكومة معرضة لإعادة إنتاج الاستبداد، حتى لو رفعت شعار الثورة أو التغيير أو الإصلاح
إنّ بناء سوريا حرة وأبية لا يمكن أن يتحقّق فقط بتغيير الوزراء أو تبديل المحافظين، بل يحتاج إلى رؤية شاملة تقوم على احترام الإنسان السوري بوصفه مواطنًا كامل الحقوق.
سوريا الجديدة يجب أن تكون دولة تحمي الفرد، لا دولة تخيفه؛ دولة تعترف بالتنوع، لا دولة تشكّ فيه؛ دولة تختار الأكفأ، لا الأكثر ولاءً؛ دولة القانون، لا دولة المزاج السياسي أو الأمني.
ولهذا فإنّ السؤال المركزي في المرحلة القادمة ليس فقط: من يحكم دمشق؟
بل: كيف تُحكم سوريا؟ وبأي قانون؟ وبأي عقلية؟ ومن يشارك في القرار؟ وهل يشعر كل سوري، من القامشلي إلى السويداء، ومن الساحل إلى حلب ودمشق ودرعا ودير الزور، أنّ هذه الدولة تمثله وتحميه؟
إذا أرادت السلطة الجديدة أن تبني دولة حقيقية، فعليها أن تنتقل من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة، ومن منطق الولاء إلى منطق المواطنة، ومن منطق الهوية الواحدة إلى منطق التعدد الوطني. فالدولة التي لا تتسع لجميع أبنائها لا تستطيع أن تبني سلامًا مستدامًا، والدولة التي لا تحمي المختلف لا تستطيع أن تكون دولة حرة.
إنّ سوريا الحرة لا تُبنى بالخوف، بل بالثقة. ولا تُبنى بالاستبعاد، بل بالمشاركة. ولا تُبنى بخطاب ديني أو قومي واحد، بل بدستور يحمي الجميع، وقانون يساوي بين الجميع، ومؤسسات تفتح أبوابها لكل السوريين على أساس الكفاءة والكرامة والمواطنة.
الخطر الأكبر: إعادة إنتاج السلطة القديمة بوجوه جديدة،الخوف الأساسي في سوريا اليوم هو ألا تؤدّي التغييرات السياسية إلى بناء دولة جديدة، بل إلى إعادة إنتاج نموذج السلطة القديمة بوجوه مختلفة. فالنظام السابق لم يكن مجرد أشخاص، بل كان بنية حكم تقوم على المركزية، والأمن، واحتكار القرار، وتهميش الأطراف، وغياب المحاسبة.
إذا استمرّت هذه العناصر داخل السلطة الجديدة، فلن يكون تغيير الأسماء كافيًا. فالمطلوب ليس فقط استبدال وزير بآخر، بل تغيير طريقة الحكم نفسها. والمطلوب ليس فقط خطاب جديد، بل مؤسسات جديدة، وآليات شفافة، ومشاركة سياسية حقيقية.
فالدولة لا تُبنى بالولاء وحده، ولا بالاعتراف الخارجي وحده، ولا بإرضاء القوى الإقليمية وحدها، بل تُبنى عندما يشعر المواطن أنّ له مكانًا في النظام السياسي، وأنّ صوته مهم، وأنّ حقوقه محمية، وأنّ الدولة لا تنظر إليه كخطر أو تابع، بل كشريك.
تبدو سوريا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تتحوّل المرحلة الانتقالية إلى فرصة لبناء دولة جديدة قائمة على الشراكة والعدالة واللامركزية والتعددية، وإما أن تتحوّل إلى إعادة تدوير للسلطة القديمة بأدوات جديدة وشعارات مختلفة.
التغييرات الوزارية والإدارية الأخيرة قد تكون خطوة في اتجاه الإصلاح، لكنها حتى الآن تفتقر إلى التفسير السياسي الواضح.
وما لم تقدّم دمشق رؤية شاملة حول شكل الدولة، والعلاقة مع المكونات، ومستقبل الدستور، والحريات، والاقتصاد، فإنّ هذه التغييرات ستبقى في نظر كثيرين مجرد تبديل وجوه لا تبديل سياسات.
سوريا لا تحتاج فقط إلى وزراء جدد، بل إلى عقد وطني جديد. ولا تحتاج فقط إلى اعتراف خارجي، بل إلى مصالحة داخلية حقيقية. ولا تحتاج فقط إلى إدارة المرحلة الانتقالية، بل إلى مشروع دولة واضح يعرف السوريون من خلاله إلى أين تتجه بلادهم.
فالمشكلة الكبرى ليست في من يدخل الحكومة ومن يخرج منها، بل في غياب البوصلة. وإذا لم تجد سوريا هذه البوصلة قريبًا، فقد تبقى الدولة معلّقة بين الخارج والداخل، بين المركز والأطراف، وبين وعود الانتقال وخطر إعادة إنتاج الاستبداد.
إنّ سوريا الجديدة، إذا أرادت أن تكون دولة حقيقية، لا يمكن أن تقوم على تبديل الوجوه وحده، بل على تغيير فلسفة الحكم. فالمطلوب ليس حكومة أكثر قبولًا في الخارج فقط، بل دولة أكثر عدلًا في الداخل. والمطلوب ليس سلطة تعرف كيف تخاطب العالم فقط، بل سلطة تعرف كيف تصغي إلى شعبها بكل مكوناته. ومن دون هذا التحول العميق، ستظلّ سوريا تدور في الحلقة نفسها: سلطة تبحث عن الشرعية، ومجتمع يبحث عن دولة.
د. نورالدين خوشناو
باحث ومتخصص في شؤون الشرق الأوسط
معهد الدراسات الإسكندنافية للشرق الأوسط SMERI
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “344”






