الموسيقى والسياسة….

إدريس شيخة

لقد لعبت الموسيقا دوراً هاماً في نشر الثقافة الكُردية وتطلّعاتها نحو الحرية، وكانت الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي ساهمت في زرع الوعي القومي الكُردي واستمراره،لهذا لجأت الأنظمة الغاصبة لكُردستان إلى قمع الفنانين الكُرد الملتزمين وزجّهم في السجون ونفيهم خارج الوطن . لكنّ الكُردي التّوّاق إلى وطنه، أصرّ على حمل طمبوره وإطلاق العنان لألحانه، ليعرف العالم معاناته.

لهذا سعى المثقّف الكُردي لإعطاء الموسيقا أهميةً خاصةً، فقد خصّص جلادت بدرخان في جريدة هوار قسماً خاصاً بالموسيقا الكُردية لدراسة خصائص الرقص الشعبي وإيقاعاتها المختلفة وأرشفة الألحان في العدد الأول من الجريدة عام 1932. وفي هذه الدراسة نسلّط الضوء على سياسة الأنظمة المحتلّة لكُردستان في قمع الفنّ والموسيقا

ففي سوريا وفي ظلّ الأنظمة الدكتاتورية وتحديداً بعد الانقلاب العسكري على حكم أديب الشيشكلي 1954 ،قُمِعَ الموسيقيون بعنفٍ، فصودِرَت اسطوانات الأغاني الكُردية واعتُقِل متداولوها، ممّا دفع الفنانين الكُرد إلى ممارسة نشاطهم بسريةٍ، فأثّر سلباً على تطور الفن .وخصوصاً بعد تشكيل الجمهورية العربيه المتحده أثناء حكم جمال عبد الناصر، حيث تدنّت إلى أدنى مستوياتهما بعد إصدار قانون استصلاح الأراضي الذي جردت بموجبه الآغوات الكُرد من نفوذهم وأملاكهم، فقد كانت دواوينهم ملتقىً للشعراء والفنانين ،حيث أُلقيت في هذه الدور قصص الملاحم والبطولات والعشاق متفاخرين بها … كسيامند وخجي وعليكي بتي ..

وفي عام 1960 أثناء حكم عبدالحكيم السراج تعرّضت المنطقة الكُردية إلى كارثة إنسانية، عندما تمّ حرق سينما عامودا وراح ضحيتها 250 شهيداً ،جلّهم من التلاميذ الكُرد ،وكانت للحكومة والقوميين العرب يدٌ فيه ،وكتعبيرٍ عن الألم والغضب جسّد الفنان الكُردي… رفعت داري.. هذه المأساة في أغنيةٍ بصوته وكلماته ملحّناً إياها شارحاً تفاصيل حدثها المؤلم.

في تلك الفترة انفصلت الدولة المتحدة، فازداد العنف وغلب الطابع العربي وفُرِضت على جميع المكوّنات بقوة السلاح وخاصةً الكُرد، فأدّى ذلك إلى احتكاك بعض المغنين الكُرد بالثقافة العربية، فانعكس ذلك ايجاباً على تطور الموسيقا الكُردية. وكانت لتنقّلات هؤلاء الفنانين بين الدول العربية أثراً مهماً في إيصال معاناة الشعب الكُردي خارجَ حدود الأنظمة الاستبدادية، ويتجلّى ذلك في سفر الفنان سعيد يوسف إلى لبنان وبروزه كفنانٍ كُردي بين المثقفين والفنانين اللبنانيين الذين كانوا منفتحين على العالم ،وليسوا عنصريين كباقي الفنانيين العرب وكذلك الفنان القومي محمد شيخو الذي كان حمامة السلام لشعبه في لبنان والكثير من الدول ،كما أنهم تعلّموا الأسس الموسيقية العلمية ،فأسّس مع صديقه سعيد يوسف بعض الفرق الفلكلورية في لبنان ،ثم عاد إلى الوطن ليزاول نشاطه الفني ،فسُجِن على أثرها محمد شيخو أبو فلك عدة مرات وشُمِعَ محلّه بالشمع الأحمر. كما تمّ منع الفنانيين الكُرد من الغناء في الأعراس ومصادرة مضخّمات الصوت، لكنّ الحسّ القومي والوطني وكُردية هؤلاء الفنانيين لم تثنيهم عن مواجهة القمع بكافة الطرق ،ومن أبرز الفنانين الرافدين للأغنية الوطنية فارس بافي فراس وآرام ديكران وحكمت جميل صاحب أغنية zinara erbî حيث أصدر النظام قراراً باعتقاله فهرب إلى أوروبا. وجوان حاجو وفنان عفرين بافي صلاح .

أما في عهد حافظ أسد لقي الفنانون الكُرد محاولاتٍ خبيثة لصهرهم في آتون الثقافة العربية، ونشرت حكومة البعث العنصرية ثقافة محاربة الثقافة والموسيقا الكردية، وذلك بتقديم التسهيلات لكلّ فنانٍ يغني للعروبة، وقمع كلّ فنانٍ يعارض هذه الأيديولجيا، لكن الفنانين الكُرد كانوا على قدرٍ كبير من الإحساس بالقضية، فلم تغرِهم التسهيلات واستمرّوا في الغناء للوطن وإحياء المناسبات الكُردية والأعراس ،فاضطرّ النظام إلى إظهار الوجه الحقيقي لسياسته، فمنع إحياء عيد النوروز في دمشق ،فخرج على إثرها آلاف الكُرد في تظاهرةٍ مناهضةٍ لسياسة النظام عام 1986 ،حيث أصدر النظام مذكّرات اعتقالٍ بحقّ العديد من العوائل الكُردية ومنهم والد فنان.. الراب.. (بريندار هاسو)، فهرب إلى الدنمارك وكان عمر ولده بريندار ست سنواتٍ لكنّ بريندار لم ينسَ قضيته وألّف العديد من الأغاني كرسائل سياسيةٍ يعبّر فيها عن بطش النظام، جديرٌ بالذكر أنّ بريندار كان يسكن حي ركن الدين في دمشق. وأيضاً الفنان محمد شيخو الذي نُفِيَ خارج الوطن وتمّ مصادرة محتويات مركزه الموسيقي ،كما سُجِنَ الكثير من فناني الأعراس لمجرد التلميح لشخصيةٍ وطنية في غنائهم.

في تلك الفتره برزت الفرق الموسيقية الفلكلورية كحالةٍ طبيعيةٍ لحالة المخاض الثوري والصراع من أجل إحياء القضيه الكُردية في ظلّ محاولات البعث صهرها وطمسها

لكن الحسّ القومي لدى هؤلاء المناضلين كان أقوى من محاولاتهم التي باءت بالفشل ومن هذه الفرق فرقة…. حلبجه… وخلات… وري… فكانت هذه الفرق تطرح القضية الكُردية كحالة عانت الأمرّين من قمع الحكومة وكانت مواضيعها مرتبطة بهذه الأمور فأدّى ذلك إلى ملاحقة أعضائها وزجّهم في السجون ومصادرة أجهزتهم باهظة الثمن ومنعهم من تقديم عروضهم على المسارح ،وفي بعض الحالات قام النظام بإرسال دعواتٍ إلى بعض الفرق

الموسيقية عبر مراكز الثقافة لديها لإثبات أنّ الثقافة في سوريا للجميع، ولكن كانوا يسمحون بالعزف دون الكلمات، وكانت الفرق الموسيقية تستغل هذا الهامش في عرض لوحات فلكلورية كُردية راقصة..( Dîlan ) وكانت هذه الفرق بمثابة مؤسّساتٍ فنيةٍ، فقد ساهمت في كثيرٍ من الأحيان في توحيد الصفّ الكُردي.

في عهد بشار الأسد استمرّ القمع بأسلوب أكثر شراسةً، حيث تمّ اغتيال بعض الفنانين والشخصيات الكُردية، الذين ترجموا الممارسات القمعية إبان انتفاضة آذار 2004 إلى نصوص مسرحية وملاحم غنائية.

وفي ظلّ الثورة السورية عام 2011 وتمزّق سوريا إلى أشلاء ونتيجةً لهجرة معظم الفنانين الكُرد هرباً من الجوع والفقر وويلات القتل الوحشي ملتجئين إلى أوروبا والدول الإقليمية ونتيجةً لتأثّر الفنانين الكُرد بالموسيقى الغربية تطوّرت الموسيقى الكُردية وأخذت منحىً آخر وخرجت عن الترم الكُردي وظهرت من جديد موسيقا الراب والفنان شريف أومري الملقّب ب(شريفو) الذي دعا إلى وحدة الصف الكُردي من خلال أغانيه ،كما قام بعض الفنانين الكُرد بفضح ممارسات سلطة ال pyd ضد أبناء جلدتهم ، مما دفعهم وبسبب ممارسات حزب الpyd إلى اللجوء إلى كُردستان وفضح ممارسات هذا الحزب من خلال أغانيهم ومنهم الفنان العريق سعيد كاباري.

إنّ الأغنية كانت من أهم حوامل النشاط الإنساني من حبٍّ إلى حرب ومن عقائد دينيّة إلى رسائل سياسيّة يكمن ذلك في قدرتها على الاستثارة الحسيّة والتأثير العاطفي إضافةً إلى نقلها الآراء والأفكار تصريحاً أو تلميحاً.

لذلك كانت الأنظمة المتمرّسة في القمع تدرك تماماً أهمية الموسيقا لحناً وكلمةً في هزّ عروشها.

ومن هنا على الساسة الكُرد إعطاء الأولوية الفائقة للموسيقا، ودعمها بكلّ الإمكانات المتاحة.. فالفنّ سلاح الشعوب في كلّ الحروب ….

المقالة منشورة في جريدة يكيتي العدد 282

تمت قراءتها 163 مرة

قد يعجبك ايضا