الميزوبوتاميا في ظلّ الانسحاب الامريكي

دوران ملكي

شارفت الحرب على الإرهاب على نهايتها وبات الجميع على مفترق الطرق إذ تتكشّف النوايا وتتوضّح الحقائق وتنتهي الذرائع وتزداد الضغوط الدولية على جميع الأطراف المتدخّلة في الشأن السوري وباتت المنطقة أمام سيناريوهاتٍ عدةٍ اثر القرار المفاجىء للرئيس الأمريكي بالانسحاب من سوريا خلال مدةٍ أقصاها ثلاثة أشهرٍ دون أن يشرح اسباب وتفاصيل القرار وحتى أنه فاجأ أركان إدارته والآن يتفاعل الجميع بحذر

اعتبره الرئيس التركي إنجازاً نتج عن الضغوط التركية على الإدارة الأمريكية وفي نفس الوقت يصرّح أمام الفعاليات الاقتصادية والسياسية التركية بأنّ أجدادنا علّمونا أن لا نتسرّع وهذا دليل قاطع أنّ القرار الأمريكي غامض بالنسبة لهم وكذلك تشكيك الرئيس الروسي بجدية القرار و عدم ظهور بوادر الانسحاب حتى الآن

ربّما الفترة التي حدّدتها الإدارة الأمريكية ستحمل في طياتها العديد من المفاجآت لذلك لا أحد يستطيع اقتحام المنطقة عسكرياً و لن يتمّ كما يتصوّره البعض من تحويل مصير شرقي الفرات كما حدث في عفرين ولنفترض جدلاً أنّ الانسحاب تمّ وحدث فراغ في المنطقة فما هي السنياريوهات المطروحة؟

سيتمّ إفساح المجال أمام قوات النظام وداعميه من الروس والإيرانيين ومليشياتهم أثر استنجاد قوات سوريا الديمقراطية بهم لمواجهة الضغوط التركية والتهديد بالتدخل العسكري في شرقي الفرات

ستتمّ سيطرة النظام السوري والمليشيات الإيرانية على جميع التراب السوري باستثناء الشمال الغربي لسوريا وتتحوّل المعادلة إلى أحادي القطب تديره روسيا ويتحوّل مسار حلها من المنظمة الدولية إلى حلولٍ في سوتشي وربّما في موسكو ذاتها كون النظام يملك الشرعية الدولية وبذلك يتمّ انتهاء مسار الحلّ السلمي الشامل ووضع دستورٍ جديدٍ للبلاد واستبدالها بتعديلاتٍ بسيطةٍ لا يتمّ تطبيقها أساساً

من غير المتوقّع أن يحدث هذا وإنّ الإدارة الأمريكية صرفت المليارات من الدولارات في مواجهة الإرهاب ولم يتمّ قبض الثمن ونحن في عصر المصالح المقدسة وترك المجال للمنافسين للاستيلاء على المنطقة وهم كانوا يؤكّدون بأنّ لا خروج من سوريا مالم يتمّ القضاء على الإرهاب نهائياً وخروج المليشيات الإيرانية وإيجاد حلٍّ سياسيٍ للوضع في سوريا

إنّ الرئيس الأمريكي إلى الآن يعتقد أنّ سلفه كان على خطأ عندما ترك العراق لقمة سائغة للايرانيين وإلى الأمس قامت قوات التحالف بتدمير جسرٍ عسكريٍ أقامه النظام على الفرات ليمنع دخول قواته الى شرق الفرات لذا يُعتبَر الخروج من سوريا نهائياً ضرباً من الخيال

يُفسَّر القرار الأمريكي بأنه ينمّ عن توجّهٍ تكتيكيٍ هدفه الضغط على الدول بالإسراع في العملية السلمية وكذلك الضغط على الدول المعنية بالتمدّد الإيراني إلى دفع فاتورة الحرب الباهظة وكذلك الضغط على قوات سوريا الديمقراطية المتحالفة معها في حربها ضدّ الإرهاب إلى فكّ ارتباطها العضوي مع حزب العمال الكُردستاني واجبارها على التوافق مع باقي أطراف الحركة الكُردية والممثلين الحقيقيين للمكونات الأخرى والقبول بالحلول التي تقدّمها المنظمة الدولية للوضع في سوريا وسحب الذرائع من يد تركيا التي تعتبر فوات سوريا الديمقراطية تهديداً لأمنها القومي

تُعتبَر تركيا الحليف الأطلسي دولةً ذات شأنٍ كبيرٍ في الساحة الإقليمية والعالمية وإنها أصبحت في المعادلات والأحلاف الدولية ذات الكفة الراجحة لذا سيكون صعباً على الإدارة الأمريكية التفريط بها أمام متربّص مثل روسيا لذلك ستلجأ الإدارة الأمريكية بشتى الوساًئل إلى إرضاء النظام التركي لذلك ستذهب الى إحداث التوازنات السياسية بين حليفٍ أطلسيٍ متذمرٍ وحليفٍ أرضيٍ في مواجهة داعش يعتمد فلسفة عبدالله أوجلان

من دواعي أخلاقية عليها أن لاتترك مصيرهم إلى المجهول وانهم لايعتبرونهم من الفصائل الإرهابية فهي ستذهب إلى تغيير التركيبة في شرقي الفرات بحيث تنسجم مع المعادلات الإقليمية

في البداية ستقوم القوات التركية مع الجيش الحر بالهجوم على مدينة منبج كجسِّ نبضٍ للقوات الأمريكية وامتحان ردة فعلها وفي الوقت عينه ستلجأ قوات نظام الأسد بغطاءٍ روسيٍ وتوافقٍ مع قوات سوريا الديمقراطية لمواجهة التدخل التركي والكلُّ في عجلةٍ من أمره ليستحوذ على القسم الأكبر من تركة النفوذ الأمريكي فيما لو انسحب

في الحالتين تبقى قوات سوريا الديمقراطية الحلقة الأضعف فتركيا تعتبرها(إرهابية )ويعتبرها النظام (انفصالية)وعليها تسليم أسلحتها وترك إدارة المنطقة للنظام اعتماداً على الاتفاقيات السابقة أي كما سُلمت تسلّم في الحالتين مصيرها الزوال في مواجهة ثنائيات قوية(تركيا-الجيش الحر)و(روسيا -قوات النظام)

فيتوجّب على قوات سوريا الديمقراطية الانطلاق من الأرضية الكُردية والدخول في تفاهمات جديدة تعتمد على التوافق العسكري والسياسي والسماح لبشمركة روز آفا بالدخول إلى أرض الوطن وسحب الذرائع من أيدي الأتراك وإعادة إحياء اتفاقية دهوك وتشكيل لجنة علاقات خارجية مشتركة تتحرّك في الأوساط الدولية مستفيدة من العلاقات الواسعة للرئيس مسعود البرزاني وخاصةً أنّ الرئيس يعمل جاهداً خلف الستار لحماية الكُرد من عودة النظام أو الجيش التركي وحلفائه الذين عانى منهم شعبنا في عفرين الأمرّين

وإلا ذهبت دماؤنا هدراً وسنخرج من المعادلات السياسية والعسكرية بشأن مستقبل سوريا لذا يجب الحفاظ على مكتسبات شعبنا لحين الوصول إلى حلٍّ سلميٍ للوضع في سوريا يحصل فيه الشعب الكُردي على كامل حقوقه

قد يعجبك ايضا