الواقع السوري يلزمنا بالبحث عن القواسم المشتركة المطمئنة

عبد الباسط سيدا

أيام قليلة تفصلنا عن الذكرى الثامنة لانطلاقة الثورة السورية التي جسدت تطلعات السوريين، لاسيما الشباب منهم، نحو حياة حرة عادلة، تضمن العيش الكريم لجميع السوريين من دون أي استثناء أو امتياز. ثورة كان من بين أهدافها طمأنة الأجيال المقبلة بمستقبل زاهر، يرتقي إلى مستوى إمكانيات سوريا على صعيد الموارد البشرية والطبيعية. مستقبل يفتح الآفاق أمام الطاقات الإبداعية الواعدة للسوريين الشباب الذين أثبتوا، ويثبتون، تميزهم اللافت في بلدان اللجوء والاغتراب. هذا رغم قسوة الظروف التي أجبرتهم على مغادرة وطنهم، والمعاناة الجسيمة التي أنهكتهم.

وبهذه المناسبة، لا بد لنا من وقفة مع الذات، إذا صح التعبير، بغية إعادة النظر في ما جرى، والعمل على تقويمه في أي سعي يمكّن السوريين من الوصول إلى بر الأمان، وذلك بعد رحلة العذابات والآلام التي تتمرد على أي وصف.

كانت المشكلة الأساسية التي واجهتها الثورة السورية منذ اليوم الأول متمثلة في عدم وجود قيادة متماسكة، تمتلك من الخبرات والكفاءات التي تؤهلها لتحمّل المهمة الأصعب في تاريخ سوريا الحديث والمعاصر. فالأحزاب الموجودة كانت تقليدية، معزولة جماهيريا، ومترهلة تنظيميا. كما كانت، ومازالت، تفتقر إلى القيادات الكاريزماتية التي تكون الحاجة إليها ماسة في مثل هذه الظروف.

وقد تمكّن السوريون، رغم ذلك، وبعد لقاءات ومناقشات مطولة، من الوصول إلى فكرة المجلس الوطني السوري الذي شهد النور في نهاية المطاف أواخر عام 2011، على أمل أن يكون مشروعا مفتوحا يجمع بين سائر السوريين. ولأسباب تناولناها في أكثر من مناسبة، لم يتمكن المجلس المعني، كما لم يتمكن الجسم الذي تلاه، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، من إنجاز الحد الأدنى من تطلعات السوريين بكل أسف، ولهذا الأمر أسبابه ومقدماته التي تناولناها أيضا في أكثر من مناسبة.

ولكن في المقابل، لم يتمكن النظام نفسه من تحقيق الانتصار الذي كان يدّعيه منذ الأشهر الأولى رغم استخدامه كل أنواع الأسلحة، بما في ذلك صواريخ سكود والطائرات وبراميل الحقد، والأسلحة الكيمياوية على مدى سنوات. وحينما عجز عن إرغام السوريين المناهضين له على الصمت والعودة إلى حظيرة الطاعة مجددا، لجأ إلى راعيه الإيراني ليتوسل منه التدخل المباشر، والاشتراك معه في قتل السوريين. وكان إدخال الميليشيات المسلحة المذهبية التوجه التي أنشأها النظام الإيراني في إطار مشروعه التوسعي في المنطقة.

وهكذا شهدت سوريا حربا بالوكالة على السوريين المناهضين لحكم بشار الأسد، وذلك تحاشيا لمحاسبة دولية، وتهربا من تحمّل المسؤولية المباشرة، وذلك بالتناغم مع الموقف الدولي الذي غض النظر عن دخول ميليشيات حزب الله والفصائل المذهبية العراقية، والتشكيلات العسكرية المذهبية الأفغانية، هذا رغم معرفة جميع الدول المعنية بالملف السوري بأهداف اللعبة، واطلاعها على أبعادها.

ومع إخفاق النظام الإيراني في إبعاد شبح السقوط عن حكم الأسد، كان اللجوء إلى روسيا التي كانت تتحين الفرصة في عهد الرئيس فلاديمير بوتين للعودة مجددا إلى الساحة الدولية كقوة عظمى منافسة للولايات المتحدة الأميركية، وكان الشعار هو محاربة الإرهاب الذي أُقحم إقحاما في الساحة السورية لأداء أدوار وظيفية، خدمت في نهاية المطاف النظامين الأسدي والإيراني. كما خدمت روسيا. هذا في حين أن عدم الوضوح الذي مازال يغلّف الموقف الأميركي من كل ما جرى، ويجري، في الساحة السورية، يفسح المجال أمام مختلف التحليلات والتأويلات التي لم تتمكن حتى الآن من ملامسة الثابت النسبي الذي قد يمكن البناء عليه في الإستراتيجية الأميركية تجاه سوريا على وجه التحديد، والمنطقة على وجه العموم.

لن ندخل في تفصيلات ما جرى، فقد كُتب الكثير حول هذا الموضوع. كما أن الكثير منه مازال حاضرا فاعلا متفاعلا في أذهان السوريين، سواء من الذين عايشوا الأحداث، أو من أولئك الذين تابعوا بدايات المشهد السوري بمختلف أبعاده، ومازالوا يتابعون.

فما نريد التركيز عليه هو تحديد السعي من أجل استشفاف ملامح المطلوب للخروج من حالة الاستعصاء التي تعاني منها الحالة الوطنية السورية. فالسوريون اليوم قد توزعوا بين ثلاثة مواقف أساسية، وذلك وفق التصنيفات النمطية الدارجة: المناهضون “للنظام”، الموالون “للنظام”، والرماديون. والقاسم المشترك بين هذه المجموعات الثلاث يتجسد في التوجس من المجهول القادم.

فعلى صعيد الواقع الميداني، هناك مناطق نفوذ، ووجود لقوات مسلحة متعددة الجنسيات على كامل المساحة السورية. والملاحظ أن هذه القوات تعتمد بهذه الدرجة أو تلك على القوى المحلية، وعلى الميليشيات الوافدة في تنفيذ عملياتها وخططها التي ترمي في نهاية المطاف إلى تثبيت موقع كل دولة في المعادلة السورية. حتى وصلنا إلى مرحلة باتت الأمور الخاصة بمصير سوريا ومستقبلها تقرر من قبل القوى الكبرى: الولايات المتحدة وروسيا تحديدا، والقوى الإقليمية: إيران وتركيا وإسرائيل. هذا في حين أن الموقف العربي مازال يعاني من الهشاشة والتردد والتهميش.

في مواجهة كل ما يهدد سوريا، أرضا وشعبا، يحتاج السوريون إلى استعادة إرادتهم، ليقرروا بأنفسهم أي مصير يتطلعون إليه لأنفسهم وأجيالهم المقبلة.

هل هناك رغبة في استمرارية التواصل والتفاعل ضمن إطار وحدة وطنية تضمن حقوق الجميع، مقابل التزامهم بواجباتهم الوطنية على صعيد الأرض والمجتمع؟ أم أن الأمور قد وصلت إلى مستوى من التشابك والتعقيد، وفقدان الثقة، تشعر معه جملة المكونات السورية بعدم القدرة على التفاهم والتعاون من أجل النهوض بالبلد وأهله رغم كل ما حصل؟

ولكن السؤال الأهم هو: ما هي حدود المساحة التي يمكن للسوريين أن يتحركوا فيها بحرية، ويقرروا بأنفسهم استنادا إلى تطلعاتهم الخاصة بهم وإرادتهم الحرة؟

أسئلة وجودية تمس في العمق المصير السوري بصورة عامة، ومصير المكونات السورية على وجه التخصيص.

الأمر الإيجابي حتى الآن في المشهد السوري، هو عدم إقدام أي مكون من المكونات السورية، أو أي طرف من الأطراف السياسية، على المطالبة بالانفصال علنا. وهذا الأمر يشمل الجميع بغض النظر عن اصطفافاتهم أو مواقعهم من النظام.

ولكن في المقابل، هناك أمر سلبي يتلمّسه المرء المتابع للشأن السوري، وهو غياب الخطاب الوطني الجامع المؤثر، الذي يطمئن حامله الاجتماعي السوريين جميعا. بل على النقيض من ذلك، مازالت لغة التحدي والتشفي المفعمة بالتهديد والوعيد هي المعتمدة من جانب النظام الذي يخدع أنصاره في المقام الأول عبر ادعاءات الانتصار الزائفة. فهو يزعم بأنه قد أفشل المؤامرة الكونية التي كانت تستهدفه بصفته “المقاوم الممانع”.

هذا في حين أن الجميع يعلم بأن غالبية السوريين كانت، ومازالت، مناهضة لنظام الفساد والاستبداد هذا الذي بات في يومنا الراهن مجرد نظام تابع، يتصرف ويتحرك بناء على الأوامر الإيرانية والروسية.

ومن جهة المعارضة، مازالت عقلية المجاملات الخاوية هي المهيمنة. ومازال كل فريق يحلم بإمكانية الانتصار على بقية السوريين من أجل فرض مشروعه الأيديولوجي على الجميع، من دون أي اعتبار لما سيترتب على هذا المشروع من مآلات.

الوضعية السورية الراهنة تستوجب تجاوز التقسيمات المعتمدة حاليا: معارضة، موالاة. فنحن إذا كنا نريد الوحدة الوطنية السورية، قولا وعملا، لا بد أن نبذل الجهود من أجل تحقيق هذا الهدف الصعب جدا في ظل نتائج الزلزال السوري المدمر.

فما نحتاج إليه هو مشروع وطني عام يمثله سوريون همهم الأول هو الشعب والوطن، مشروع يطمئن السوريين عبر القطع مع الاستبداد والظلامية، والنزعات القومية والمذهبية بكل تلاوينها. ومشروع كهذا هو مستقبلي بطبيعته. هذا مع إقرارنا الكامل بأن مشروعا كهذا لن يكون قابلا للحياة من دون مصالحة وطنية حقيقية، أساسها الاعتراف بالخطأ، والاستعداد لتحمّل نتائجه، وتوفير المقوّمات التي من شأنها ضمان العيش الكريم لجميع السوريين. وهذا كله لن يكون من دون عدالة انتقالية لا تتساهل مع المسؤولين المباشرين عن كارثتنا الوطنية الكبرى.

العرب

جميع المقالات المنشورة تُعبر عن رأي كتابها ولاتعبر بالضرورة عن رأي Yekiti Media

قد يعجبك ايضا