اليسار وتلوّنات الحرباء كُردياً

وليد حاج عبد القادر / دبي

في العودة إلى بدايات المدّ اليساري – الماركسي كُردياً أوائل سبعينيات القرن الماضي ، التي انطلقت أصلاً من رحم اليسار العربي – التركي – الفارسي ، والتي اتّخذت مسار شعارات أغلبياتها ، وإن غلّفتها ببعضٍ من الشذرات كدعاياتٍ لجذب الشارع الكُردي ، سِواه الحزب الشيوعي العراقي والذي لم يحصر نضاله في العمل السياسي فقط كموائمةٍ وللتوافق مع خصوصية الثورات الكُردية المتتالية بطابعها التي غلب عليها الكفاح المسلّح ، فانخرط فيها ايضاً وبخاصيته وإن كانت متحالفة ، فكانت له منظمته الكُردستانية بشقيه السياسي والعسكري ، وهنا و لسِعة الموضوع وتشعّباته الكثيرة ، والتي – بتصوّري – تحتاج لجهودٍ أكثر من مركز دراساتٍ وباختصاصاتٍ عديدة ، ولكن مع هذا لابدّ من الإشارة إلى ظاهرة اليسار الكُردي في كافة أجزاء كُردستان من جهةٍ ! وتلك السمات المشتركة التي تماوهت في جزأين مهمّين منها مع اليسار الفارسي من خلال تودة والتي مالبثت ومع سقوط الشاه وكنتاجٌ لتقوقعها القومي الفارسي وانغلاقها حيث ازدادت فيها حالات التسريب للكُرد وترك صفوفها والانخراط او التقرّب من الحزب الديمقراطي الكُردستاتي – إيران ، وهذا الامر الذي سيعيد إلى أذهاننا محاولة – مغادرة قياداتٍ بارزة من الحزب – كريم حسامي وغني بلوريان – وصبغ المغادرة بلبوسٍ فكري يساري ، وبالرغم من ثقل شخصيات تلك القيادات التي كان لها وزنها ، لا بل وجهودٌ كما دعمُ جهاتٍ غير كُردية لها أيضاً – يُقال بأنّ عرفات ومنظمة التحرير التي كانت لم تزل في شهر عسلها مع إيران / خميني كان له دورٌ في ذلك – ، نعم ومع كلّ الجهود التي بُذِلت ، لم تستطع تلك المجموعة من إحداث التاثير المطلوب ، وإن لازال بعضهم يرى بأنهم أسّسوا / أوجدوا شعرةً للانشقاقات التي تتالت فيما بعد.

وفي تركيا ، ظلّ الماركسيون الترك وفي أعلى قائمتهم الحزب الشيوعي التركي ، وفيةً لروحانية أتاتوركها ، والتي مالبث كثيرون من الكُرد الذين انضمّوا لصفوفه يغادرونه كنتيجةٍ حتمية لحالة الاغتراب التي كانوا يعانونها ضمن صفوفهم ، وبقي هذا الحزب كما تودة يسعى بكلّ جهوده في التمدّد وكل في داخل كُردستانها ، وهنا لابدّ من التذكير بالمجموعات الماركسية واليسارية الأخرى في تلك الدولتين تحديداً كمنظمة مجاهدي خلق ومجاميع أخرى في إيران وكذلك بعض المنظمات التركية المتطرّفة ، وخاصةً المجموعة التي أسّسها حكمت قفلجميلي وحوطها بزنار تحت مسمّى : يساري تركي صرف وبغطاءٍ فكري محكم لم يستطع قطّ أيٌّ من المنفصلين عنهم الانسلاخ من الركيزة التي تموضعت عليها كلّ الإضافات اللاحقة وذلك لخدمتها ، تلك الركيزة التي هدفت – نظرياً – في السعي للقضاء على الإمبريالية والعسكريتاريا ، وبقيت ذات طابعٍ تركي بحت ، رغم محاولات حكمت قفلجميلي بتجميلها فكرياً حيث اتّخذ مسار مزجٍ بين التجارب الشيوعية جميعاً ، ولم يغفل أنموذجاً إلا واستعان به ، وعدّ أنموذجه القدوة او الشكل الأوضح في تقليد التنظيمات التي اعتمدت وعلى قاعدتها نما مبدأ التصفيات الجسدية إن في مواجهة الخلافات البينية من جهةٍ او حرق المراحل ، وبكلّ أسفٍ مهّدت وسائلها إلى ديمومة حالات التصفيات الجسدية ، أو مايمكن تشبيهها بحرب العصابات في الشوارع البينية – تجربة منظمة الآبوجية ( كما كانت تتسمّى ب ك ك حينها ) مع كوك مثلاً ورزكاري وآلا رزكاري وكاواجي في أواخر سبعينيات القرن الماضي – هذه السمات التي تجذّرت طويلاً في بنية التجمعات الكُردستانية في تركيا حينها أمام ضعف أو تشتّت الحزب الديمقراطي الكُردستاني – تركيا بعد انهيار ثورة كُردستان العراق بعد اتفاقية الجزائر عام ١٩٧٥ ، تلك الحروب التصفوية بين المجموعات الكُردية ، والتي غذّتها يد الدولة التركية العميقة ومصالح الدول المحيطة كثيراً ، لابل رأت فيها تربةً خصبة استطاعت الاستثمار فيها كثيراً ، وهنا لابدّ من التركيز على مرحلة مغادرة أوجلان مع بعضٍ من رفاقه لليسار التركي – مجموعة قفلجميلي – ومن ثمّ التحوّل إلى منظمة سُميت بالآبوجية أو كمجاميع للطلبة و ال – عجلجية – قبل تحوّلها إلى – الكُردستاتية – وذلك حسب معرفتهم الأولية ، ليليها إسباغ الشرعية لتوجّههم الأوحد منذ لحظة إعلانهم عن ذلك ، واعتبار كلّ توجّهٍ أو مجموعةٍ وحزبٍ ومهما كانت تصوّراتهم أو توجّهاتهم مجرد مجاميع يتوجّب وبكلّ الطرق والوسائل إزاحتهم والقضاء عليهم ، وباختصارٍ فهم أهدافٌ مشروعة لهم ، ولم يخلُ الأمر من تصفياتٍ بينية ، سيما بعد طغيان الستالينية كإجراءٍ محاسبي لمَن يناقش أو يخالف المعلَن من التوجّهات ، وباتت المحاكمات الثورية والتصفيات واحدةً من أبرز سمات تلك المرحلة ، هذه الحالات التي لازال كثيرون من المعاصرين يتذكّرون مفرداتٍ لحالاتٍ كثيرة مورست حينها ، وباختصارٍ لابدّ من التذكير أيضاً ، وهذا هو الأهم ، ومن دون التطرّق – مع كلّ التقدير – إلى العدد الهائل من الشهداء الذين أُخذوا – بضمّ الهمزة – إلى الجبال وناضلوا وهم يحلمون باستقلال – سرخبونا – كُردستان ، وأيضاً ! الكمّ الهائل من الشعارات التي تمّ استثمارها كدولة بهدينان وبوطان على سبيل الذكر ،وليتمخّض عن كلّ تلك الشعارات طوباويات مخيالية تدرّجت مابين أخوّة الشعوب والأمم الديمقراطية والأدهى من كلّ ذلك هو : سياسة الاعتذار من أمّهات الجنود الأتراك القتلى في تناسٍ ممضٍ تماماً عن شهداء المنظومة ومن أجزاء كُردستان الأربعة.

إنّ الدكتاتورية البنيوية التنظيمية واستيلاد شخوص وهِبت سمات مافوق بشرية في تقليدٍ بليد لطوباوياتٍ عتيقة ، ومنح تلك الشخوص هالة تقديسٍ أشبه بالنبوة ، واعتبار كلّ ما ينطقه أو يكتبه غير قابل للجدل أو النقاش ، وما علينا سوى تصوّر حالات الخلاف ! وهنا وتحت سطوة الشرعية الثورية ! علينا ألّا نستغرب سلاسة التحوّل من فكرة الدولة القومية وآلية تحوّلها إلى مشروعٍ استعماري ، وأيضاً تحوّلات الماركسية اللينينية بماركتها الستالينية إلى مجرد عبثٍ سوى قضائها بمحاكمها وتصفياتها ، ومن ثم استنباط البراديغما كمشروعٍ – أجزم شخصياً – بأنّ غالبية – المبشّرين بها – لا يفهمونها كما حالتي أنا شخصياً ، وعلينا ألّا نستغرب أية موضةٍ فكرية مستجدّة ومهما تكن كلفتها ، فهي قابلة للتطويع ومن ثم التجربة.

إنّ التشبّه وذهنية التحوّل من حالةٍ إلى أخرى وخاصةً منها الفكرية ، هي حالة مقارِبة تماماً لنزعاتٍ سايكولوجية تتماس ولتندمج في شوفينيزيا متناقضة ، يمكن تصويرها في علم النفس بوهن الازدواجية الشخصانية ، حيث ترى المبتلي بها يمارس مع العدو بوهنٍ وبدونيةٍ يراكبها فوقية وعلى النقيض ! وبعنفٍ بيني ضمن بيئته ومحيطه ، هذا التشبّه المعروف عند أطباء النفس الذين يعتبرونها كنوعٍ من أمراض هوس التقليد بأنواعها ، أو كمحاكاةٍ للآخر وكنوعٍ من قبول التبعية للآخر ، كما متلازمة الدونية عند الأطفال حينما يتصرّفون أو يقومون بعملٍ ما فينهرهم الوالدان فيتحجّجون بأنّ فلاناً ( وغالباً يكون أكبر منهم ) قد عملها أو قام بها ، وهي تُعرف هنا أيضاً بظاهرة الاقتداء ، وهي ثانية تعني بأنّ المقتدى به أعلى شأناً في لاوعي الذي يقتدي .. ومما يلفت النظر في هذه الحالةالمرضية أنه يتمّ ذكر المقتدى به في حالات التصرف الخاطئ أو لربما يتمّ رميها هكذا جزافاً.

وباختصارٍ ! يجب التوكيد هنا على أمرٍ هام ، وهو أنّ الإشكالية لم تكن في الفكر اليساري وتوجّهاته بقدر ما أنها مورست وبإجراءٍ فوقي ، وفُرِضت أيضاً من دون التأسيس لوعيٍ استيعابي لمفاهيم اليسار أصلاً ! ( ومن بعض الطرائف التي تُحكى في تجربة اليسار الكُردي أنه بعد التزام الحزب اليساري الكُردي في سوريا بالماركسية اللينينية في مؤتمرهم ، تنشّط بعضٌ من قيادييهم بعقد ندواتٍ جماهيرية ، وكانت حصة قرية سبع جفار الكوجرية – شرق رميلان – أنّ الراحل سعيد بارودو عضو المكتب السياسي للحزب هو من أدارها ، وبعد أكثر من ساعتين وهو يتكلّم عن التزامهم الفكري الجديد ، وبعد فتح باب الأسئلة سأل واحدٌ من الحضور عن تكرار المحاضر في ذكر الماركسية اللينينية وماذا تعني ؟ وليجيب المحاضر بأنه شخصياً لايعلم سوى بأنّ ماركس هو ابن انجلز وهو بدوره ابن لينين ، أمّا التفاصيل فلا يعرفها سوى الرفيقين ملا نيو وصلاح بدرالدين ) . إذن وكما أثبتت التجربة فإنّ آلية إسقاط تلك التوجّهات واستيعابها كما واستثمارها بما يفيد التوجّه الكُردي كانت شبه معدومة ، هذه الظاهرة التي ارتبطت بالوعي والذي أُريد به ولايزال مستمراً أن يكون عليه وفيه اليسار الكُردي !! . إنّ الإرتهان على شتات الآيديولوجيات بعيداً عن الخصوصيات ، وكذلك اجتزاء الأسس الرئيسة كاستخدام قانون النفي أي بإلغاء وشطب الآخر وحذف وحدة والإبقاء على صراع الأضداد ، وبمعنىً آخر نفي وبتر – الأول – في نقدٌ فظيع لمقولة الناقد البلغاري الأشهر – ايفريم كارانفيلوف – وكتابه ( الجذور والعجلات ) الذي ارتكز على مقولة – من لا أول له لا آخر له – وبدلاً من ذلك وكمثالٍ نرى أنّ بعضهم يأخذون من ستالين شاربيه وشرعيته بمحاكمه الثورية ، يُضاف لها وكأمثلةٍ أخرى على سبيل الذكر بعضٌ من التصوّرات التي لاتزال تعيش في شرنقة لاوعيهم فيقلّدون / غيفارا بقبعته وماوتسي تونغ بسترته وكاسترو بسيجاره وحكمت قفلجميلي باتقانه للغة التركية الفصحى والمنقّحة وإن استزادوا عليه – قفلجميلي – فهي في تهجين لغتهم بتمليحها كُردياً .

قد يعجبك ايضا