آراء

( انتحار الاحلام )… قصة

بهجت شيخو

في كلّ هذا الركام الذي انتابه، في هذه اللحظات، حيث تباعدت لديه مسافات الآمال التي كان قد جمعها مع كل تلك السنوات و لم يعد باستطاعته أن يقارب أو أن يربط بينها وخاصةً أنه أدرك تلاشيها منذ عدة أشهر  و رحيل الواحدة تلو الأخرى بكل هذه السهولة . فتكوّر بزواية غرفته التي بقي وحيداً فيها بعد أن تركه الضيوف و كذلك كل أفراد العائلة بمن فيهم والدته التي رسمت على وجنتيها الجميلتين تراسيم الحزن و العبس، و التي لم يلاحظهما من قبل أبداً .

من دون أن يحسّ بأدنى شعور، أراد أن يقترب فلامز الشاب طالب البكالوريا ، أو بالأحرى أراد أن يلتصق بزاويته المفضلة في تلك الغرفة التي تعني له الكثير، حيث دوماً كان يحبّذ هذه القرنية عندما كان طفلاً ، و يستسلم لأخته الكبيرة جيهان عندما كانت تطارده في هذه المساحة الصغيرة  لتتغلّب عليه و تمسكه من رأسه أو حتى من شعره .

فجأة خطر على باله رأسه الذي هو كلّ سبب هزائمه و الذي لم يعد يتحمّل آلمه الشديد الذي يرافقه من عدة أشهر حيث اضطرّ أن يترك مدرسته و أصدقاءه و أجمل أيامه ليستسلم من جديد في ركنه الطفولي هذا ، و لكن هذه المرة دون إرادته .

أحسّ فلامز أنه أصبح جزءاً من هذا الحائط ،وأنه يتمنّى أن يبتلعه هذا الأخير نهائياً لعله ينهي عنه ألم الرأس الذي انتابه من جديد . و لكن لم يتمكّن من شدة الالم أن يتمالك نفسه حيث أجهش بالبكاء و الصراخ الخافتين متعمداً بذلك رغم أنّ الآلم كان شديداً و لكنه اهضم كل صوته حتى لا تتسارع والدته و التي هي حتما تراقبه من بعيد و حتى يخفف عن قلبها الآسى و الوجع اللذين رافقاها منذ معرفتها بمرضه .

بدأ فلامز الشاب يتذكّر أحلامه الوردية التي كانت ترافقه دوماً من خلال طفولته مع أخته الوحيدة و التي كانت تطالب دوماً بفستان جديد للعيد من والدها، ولكنه كان يتعذر لها بحجج مختلفة لأنه كان مفلساً في أغلب الأوقات و يتمّ تأجيل الطلب للعيد الذي يليه،  و كان يحلم بأن يقدّم لها أفخر فستان بعد تحصيله على شهادة و توظيفه ، كما كان يتمنّى أن يجلب لوالدته خاتما من الذهب و الكثير من الثياب لأنها تستحقّ أن تسعد في أيامها المقبلة، حيث عانت ما عانت طيلة حياتها مع الوالد .

و لكن فلامز شعر أنه ما عاد لديه القدرة حتى على تحقيق تلك الأحلام التي أرشفها لنفسه . تذكّر سنوات العوز كما ابتعدت عنه كل تلك الأماني و ليحلّ مكانها فقط أيام معدودة تتهي كل حياته ، هكذا قال الطبيب لأبيه قبل عدة أيام و ذلك بعد عدة أشهر من الفحوصات الطبية و التصويرات الاشعاعية لدماغه .

فقال الطبيب لابيه:  ساتكلم معك يا أبو فلامز بكل صراحة، نحن فقدنا الأمل بشفاء فلامز لأنّ حجم الكتلة أصبح كبيراً على المخ و أخيراً الشفاء بيد الله .

سمع فلامز الكلام بكل وضوح عندما كان ينتظر والده في غرفة الأنتظار و حتى لم يتفاجأ بتقرير الطبيب لأنه في قرارة نفسه كان مدركاً و مقتنعاً أنه لن يكتب له الشفاء من هذا الداء .

ازداد آلم رأس فلامز أكثر فأكثر وأصبح يشوش عليه الرؤية و لكنه أدرك أنه ما زال يركن ركنه المفضل و لا يريد أن يبتعد عنه لأنه يحبّ أن يسمع  من جديد قهقهة جيهان المنتصرة عليه و هو يرفع كلتا يده راضخاً للاستسلام .

و بعد فترة من شدة الألم الذي رافق كل جسمه و تعدّى كتلة محيط الرأس أراد فلامز أن يتحرّك ببطىء حيث بدأ زحفاً نحو صالون منزلهم الذي أحبه كثيراً حيث كانت تقصّ فيها له جدته المرحومة القصص الشعبية الحزينة و أحياناً كان يسرقه النوم فينام معها في فراشها و يدرك ذلك في الصباح اليوم التالي .

و لاحظ كما كان يلاحظ دوماً البندقية التي بقيت معلقة على أحد جدران الصالون و الذي كانت تفتخر جدته بها لأنها الوحيدة و الغالية المتبقية من ذكرى المرحوم جده، الذي قاتل بها عسكر الترك في ثورة شيخ سعيد، لذا هي كانت توصي بأنها أمانة لكم بعد مماتي .

نهض فلامز رويداً رويداً ليلتقط تلك البندقية و أنزلها من مشبكها و أصبحت بين حضنه المتألم و عاد أدراجه إلى غرفته ليجدد ثباته في زاويته المفضلة و عادت على مسمعه قهقهات جيهان و دلعها، فقرّب فلامز شيئاً فشيئاً اصبعه من الزناد و ضغط عليه مبتسماً كما كان يبتسم دوماً لانتصاراتها عليه في كل مرة من الزمن الطفولي الجميل .

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “٣٤٥”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى