انتصرت الحرب وهُزمت أخلاقنا

آزاد عنز

محنةٌ امتحنت السوريّ على الجغرافية السوريّة على شكل حربٍ عاصفة طحنت العباد والبلاد، كانت حرب الأخلاق قبل أن تكون حرب الرصاص، فلم تسعف السوريّ أخلاقه إلى الانتصار، فانتصر الرصاص نيابة عن الأخلاق، إذ لم يبخل السوريّ في طعن شريكه السوري برصاصة قاتلة في الظهر فلم تكن إلّا رصاصة غدرٍ غدر بها السوريّ صاحبه السوريّ، أيّ صحبة وأيّ شراكة هذي المفرغة من مضمونها تماماً؟

حربٌ اختبرت مكارم القيّم فهزمت المكارم وانتصرت الحرب، حربٌ اختبرت محاسن القيّم فهزمت المحاسن، وانتصرت الحرب، الهزيمة استدرجت الأخلاق إلى وكرها، فلحقت بها مكارم القيم ومحاسنها، ولم يبق إلّا الحرب وحيدة لتتوّج بالانتصار. صراعٌ هنا وقتالٌ هناك، معركةٌ هنا وموقعةٌ هناك، غارةٌ هنا وعراكٌ هناك، لم تبخل هذه الأشكال في طحن السوريّ وجرّه إلى الهلاك، فتغلب فيها الرصاص على الأخلاق. نعم انتصر كل شيء إلّا الأخلاق، انتصرت الحرب وهُزمت أخلاقنا. حربٌ جرّد فيها السوريّ شريكه السوريّ من أخلاقه فبقي شعباً عارياً من كل شيء، لا تكسوه إلّا ثيابه، حربٌ لم يتردّد فيها السوريّ من نهب وسلب السوريّ وكأنها حرب غنائم، لا حرب تصحيح الوجهة من الخطأ إلى الصواب، ادّعى السوريّ أنه جسدٌ واحد وروحٌ واحدة ونَفَسٌ واحد، ولم يكن واحداً يوماً، لا في القديم ولا في الحديث، في تشخيصٍ خاطئ لإعاقته، فكانت المعالجة مستعصية، تماماً كالطبيب الذي يفشل في تشخيص المرض، فلا تُسعف المريض الجرعة المخصصة للشفاء، فيتعاظم المرض إلى أن يركل مؤخرة المريض، فيقذفه إلى الهلاك، فالحالة السوريّة تشبه حالة الطالب الذي تظاهر بالفهم، وذهب إلى الامتحان فلم يفلح، ولا يزال السوريّ يكابر على عدم الاعتراف بهزيمته، عليه أن يعترف أنه فشل في تشخيص نفسه وتعثّر بظلّه الذي تخيّله بحجم لا يوصف، تماماً كالمرآة التي تتحايل على شخصٍ ما يقف أمامها فتهبه المرآة حجماً أكبر من حجمه أو ربما يخدعه بصره في فهم برهان المرآة.

نعم، انتصر الرصاص وهزمت أخلاقنا. لم تكن حرب الرصاص والدم، بل كان امتحاناً للسوري، كي يعيد بناء هيكلة نفسه من جديد، فتعثر وأخفق في الامتحان، حربٌ أنهكت البلد من أقصاه إلى أقصاه ومحنة لم تورّث السوريّ إلّا الدمار والخراب وبحر من الدماء، فغاص السوريّ في دمه، إلى أن امتلأت رئتاه بالدم وغرق. معارك طاحنة على الجغرافية السوريّة لم تبخل على السوريّ في تمزيقه سياسياً واجتماعياً وثقافياً وعسكرياً واقتصادياً، ولم يبق للسوريّ إلّا البقايا، وكأن السوريّ افتعل هذه المحنة، وهذه الحرب كي يصرخ بأعلى صوته، ويقول للكون برمّته أنني فاشل في كل شيء، حتى في كيفية إعداد الطعام. أما الأمر الذي تفوّق فيه السوريّ، بل وبرع فيه على تراب سورية، هو تدميره بلده وهوّيته السوريّة، كل هذا كان حاصل الخطأ في فهم المقاييس التي تهبها المرايا الكبيرة لأحجامٍ صغيرة، تقف أمامها فيجد الحجم الصغير صورة نفسه كبيرةً في المرآة الكبيرة.

العربي الجديد

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عــن رأي Yekiti Media
قد يعجبك ايضا