بهية مارديني في حوارٍ مفتوح مع يكيتي

كاتبة وصحفية وإعلامية سوريّة من أصولٍ كُردية حائزة على ماجستير في القانون الدولي، وجرى تسميتها كسفيرةٍ دولية للتميّز والجودة في شبكة التبادل الأوروبي – العربي التي تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة ، ويُعرف عنها مواقفها المناصرة للقضايا السورية وقضايا حقوق الانسان والقضايا المتعلّقة بها من ملفات المعتقلات السوريات وإلفاء محكمة أمن الدولة العليا وغيرها. إلى جانب إسهامها بإطلاق تيارات ومنظمات وتحالفات سورية وإقليمية ودولية كاللجنة العربية لحرية الرأي والتعبير والمنظمة الوطنية لحقوق الإنسان في سوريا والتحالف العربي من أجل دارفور.

بهية مارديني ضيفة عزيزة لقراء جريدة ( يكيتي ) وكان الحوار التالي :

س١_

سوريا مقبلة على تحوّلاتٍ حقيقية وكلّ الأنظار متّجهة ، الآن، نحو ” قانون سيزر” . برأيك
ما هي الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة الأمريكية لإصداره في هذا التوقيت، بينما غضّت النظر عن استخدام النظام السوري الأسلحة الكيماوية في 2013 ؟

ج١ :
حتى نفهم الموقف الأمريكي علينا أن نفهم من أين ينطلق؟ حيث تلعب الخسائر الجسيمة التي مُنيت بها الولايات المتّحدة في أفغانستان والعراق، دوراً كبيراً في التأثير على القرار الأمريكي إزاء أيّ خطوةٍ من شأنها أن تفسّر على أنها استعداد لتدخّلٍ مباشر في سوريا. إذ يعتقد الكثير من صنّاع القرار الأمريكي أنّ قرار التدخّل الأمريكي في أفغانستان والعراق كان قراراً خاطئاً ، وأنّ الولايات المتّحدة دفعت ثمناً باهظاً بسبب هذا التدخل، وأنّ كلّ تدخلٍ عسكري هو قرار خاطئ بالضرورة، والبيت الأبيض عموماً يرى عدم الدخول في مغامراتٍ عسكرية خارج البلاد ، إضافةً إلى تقليص النفقات الدفاعيّة كما لمسنا وانتهاج سياسة الحوار والتفاهم والدبلوماسية مع الأعضاء الفاعلين في المجتمع الدولي و مع كلّ الاطراف ، وتسليم جزءٍ كبير من الأعباء الإقليميّة إلى الدول الإقليمية والدول القادرة على تحمّل هذه الأعباء بدلاً ، وربّما بالنيابة عن الولايات المتّحدة.
أرى وأنا أتحدّث عن الموقف الأمريكي أنّ للموقف الإسرائيلي من القضايا الإقليمية وزناً كبيراً داخل أروقة صنع القرار في واشنطن والتيار العام لدى الإسرائيليين، لا سيما تلك المرتبطة بالاستخبارات العسكرية والأمن القومي والجيش، والغالبية ربّما ، كما أرى ، مع بقاء نظام بشّار الأسد كضامن وتنظر الى الملف من جانب تقييد كلّ ما من شأنه أن يؤدي إلى ترجيح كفة الثوار في النهاية وتلعب على سياسة لا غالب ولا مغلوب ، وإدخال الأطراف في معادلة استنزاف وإضعاف سوريا و تدمير الدولة لندخل سيناريو التقسيم ، وهو سيناريو جيد بالنسبة لإسرائيل في ظلّ هذا المحيط حولها لأنها تجيد التعامل معه وتفضّله في دول الجوار ولا أظنّ أنها تخفي نفسها هنا ..

كذلك هناك الخوف مما يُسمّى في التعريف الأمريكي “جماعات راديكالية” أو “الإرهابيين” وهو عامل مهم أيضاً في التأثير على صنع القرار الأمريكي. وهو جوهر الحسابات الأمريكية، والحساسيّة منه دائماً عالية ويؤثّر في اتخاذ أو عدم اتخاذ أيّ قرارٍ في حال تبيّن أنّ لهذا العنصر أو العامل أية علاقةٍ بالموضوع .وبالمجمل أعتقد انّ الولايات المتحدة الأمريكية جادة في الملفّ السوري لكن بالطريقة التي تريدها وكما نقول دائماً الدول ليست جمعيات خيرية و لم تقرّر أمريكا بعد الكلمة الحاسمة أو الفصل فهي تعمل على سياسة الخطوة خطوة وهناك فرق بين ما نريده جميعاً كسوريين وما تريده الدول وعلينا ان نفصل بين الأمنيات والواقع .

وأما قانون قيصر فهو قانون مهم وبرأيي أنه يهزّ النظام بأركانه ولكننا نريد كسوريين إسقاطه ولكنّ الدول لا تسقط أنظمةً بهذه الطريقة و المعارضة السورية الرسمية معارضة أثبتت فشلها حتى في إدارة ملفاتها الداخلية فكيف يمكن أن يعتمد عليها وكيف من الممكن ان تثق بها الدول أو الولايات المتحدة الأمريكية ة أو المجتمع الدولي كطرفٍ أو جزءٍ أو كل ؟

بكلّ أسفٍ انشغلت المعارضة بإزاحة الأجدر الذي يمكن أن تثق به الدول وتتعامل معه بطريقةٍ ندية ، لذلك وجدنا صدمةً كبيرة للسوريين على كلّ الأصعدة من معارضتها .

نعم الأمور تجاوزت النظام والمعارضة بمراحل و هما أصبحا خارج المشهد و ما ستفرضه الدول هو الذي سينفّذ وهذه الدول التي أقصدها أمريكا و روسيا بالدرجة الأولى ..وقد نكون وصلنا إلى اللا جدوى من إسقاط النظام والمعارضة لأنهما بالأساس سقطا وأنه عندما يُتّخذ القرار الدولي ببدأ العمل بالخطوات التنفيذية في هذا الوقت مفيد ان تبني المعارضة الشعبية خريطة الطريق بما يخدم مرحلة خلاص سوريا وشعبها من طواغيت النظام والمعارضة .
ولكنني أؤكّد أنّ الشعوب هي التي تفرض على الدول خياراتها وهذا الحراك الشعبي الذي نراه في السويداء ودرعا وأكثر من منطقة هو الذي يسقط النظام وطالما أنه لا يوجد لدى المعارضة الرسمية خطة غير مصالحها الخاصة والضيقة وطالما اختلفت ولم تتناغم معنا كقاعدة فعلينا فعليا أن نشكر الدول على كلّ ما تقدّمه في ملفات قيصر والكيميائي طالما تعمل في إطار الممكن دولياً وعلينا أن نعمل نحن كسوريين على مانريده نحن الشعب السوري الحرّ مع ملاحظة أنّ الملفّ الكيماوي شهد تصاعداً كبيراً في الفترة الاخيرة وكان إيجابياً ووصّف ما يجب توصيفه . .

س٢_

الجمهوريات العربية التي سُميت جملوكيات، وفي مقدمتها سوريا، أوغلت في مركزية سلطاتها و إقصاء الجماهير عن المشاركة السياسية..
أيّ شكلٍ للدولة ترينه مناسباً لسوريا المستقبل، الدولة المركزية البسيطة أم الدولة المركّبة الاتحادية التي تعتمد ” اللامركزية السياسية” ؟.

ج٢ :

بالنسبة لي لا تهمني التسميات بكلّ صراحةٍ أنا مع كلّ ما يتّفق عليه السوريون طالما يضمن لهم الحرية والكرامة.

أفضل صيغة لسوريا المستقبل، هي ما تحقّق الأمن والاستقرار والتوزيع العادل للثروة والسلطة، وتحقيق ديمقراطية راسخة ودائمة ومستمرة غير قابلة للتلاعب و للنكوص، وبناء الثقة وضمان المشاركة المجتمعية في سوريا بصورةٍ أكثر فعاليةً ومباشرة ، وضمان حقوق المكونات السورية، ومنهم الأكراد طبعاً . وكلّ حوارٍ أو قرارٍ بهذا الشأن يجب أن يمرّ عبر حوارٍ وطني سوري جاد وعميق ونوعي وواقعي ، لأنّ توافق السوريين كلّ السوريين عليه شرط أساسي لضمان تضمينه في الدستور السوري المستقبلي، وضمان تنفيذه على أرض الواقع.

أفكّر الآن أنّ أية دعوةٍ هي حقٍّ ديمقراطي مشروع لأصحابها، ولكن هذا الحقّ لا يعني البتّة مصادرة رأي الآخرين أوّ أن المبادرة أو الفكرة أو الطرح أو شكل الدولة الذي يريده طارح الدعوة هي قاعدة للحلّ السياسي وشكله وتأطيره في سوريا .

س٣_

قوى الثورة و المعارضة السورية عجزت عن تجاوز انقسامها التنظيمي و السياسي و العسكري، منذ بدء الثورة. برأيكِ، ما هي الأسباب الأساسية التي تقف وراء تلك الانقسامات المفرطة ؟.

ج٣ :

المصالح والأنانية ظهرت بشكلٍ غريب ومعيب فمن يقول أنها قوى الثورة والمعارضة وبشكلٍ عام خطابها عشوائي إلا فيما ندر و أعادت إنتاج خطاب لا يبتعد عن الخطاب السلطوي السائد في الشكل، رغم اختلافه من حيث المضمون. كما أثّرت الإمكانات المهنية والمالية وكيفية توجيهها لإبعاد الكفاءات والانشغال بالعلاقات والمصالح الضيّقة ، إضافةً إلى غياب الاسترتيجيات والخطط و فقدان الترابط بين الخطاب السياسي والتوصيل الإعلامي ،اضافةً الى نسيان هذه القوى أننا سوريين ولا نعمل كأجَراء أو لمنفعةٍ عند أيّ دولةٍ أو طرفٍ .
س٤ –
سيناريوهات تتبلور في المشهد السوري ، وتبدو ملامحها شبه واضحة ، بتصوّركم أستاذة ؟ هل هناك مقاربات لمشهد ماقبل سقوط صدام ؟ والترتيبات التي تجري على الأرض سياسياً :
ا – تشكيل أحزاب إسلامية بلبوسٍ جديد ، ( الحزب الوطني للعدالة والدستور ) مثالاً
ب – حوارات الكُرد البينية وامكانية تحوّل قامشلو لمحطة مقاربة لهولير مثلاً ؟

ج٤:

أنا مع تأطير الناس نفسها ضمن أحزاب ولكنّ ما نراه هو غير ما يجب أن يكون أو غير المنشود إذ يعلن الشخص حالياً ولاءه لأكثر من جهةٍ على قاعدة التشبيك بينما هو حقاً لا ينتمي لأي منها وينتظر كيف يستفيد. قد أتفهّم هذا الأمر بشكلٍ من الأشكال بالنسبة لبعض الناس التي جرى تغييبها قسراً ولديها مؤهّلات وتبحث عن مكانٍ للتواجد ، ولكني لا أتفهّم هذا على الإطلاق بالنسبة للبقية
يجب أن لا ننسى دائماً جوهر الصراع. فمشكلة السوريين هي الخلاص من نظام الاستبداد السياسي، والبحث عن كيفية ملموسة، يمكن بواسطتها تحقيق انتقالٍ سياسي، ينتج عنه نظام حكم ديمقراطي، يُعيدُ ترتيب أولويات وحدة السوريين، ووحدة ترابهم الوطني والأمر كما أراه بسيط لكن ثمة مَنْ يحاول تعقيده .

وعلينا أن نتذكّر دائماً أنّ الصراع السوري ليس صراعاً بين المكوّنات السورية أو صراع طائفي أو أثني ، الصراع سببه وجوهره أنّ النظام السوري نظام استبدادي قمعَ كلّ هذه المكوّنات بطرقٍ مختلفة لذلك علينا أن نعمل ولا ننسى هذا البعد الحقيقي .

و إجمالا أنا شخصياً ضدّ مغازلة أي طرفٍ من الأطراف أو التيارات أو الأحزاب إلا على قاعدة محبة سوريا و رغم أنني قد ألتقي معهم في بعض المفاصل فقد ألتقي مع مجلس سوريا الديمقراطية في أمورٍ وقد أختلف في أمورٍ وقد ألتقي مع المجلس الكُردي في أمورٍ وقد أختلف في أمورٍ وعليهم إحترام اختلافي وأفتح عقلي وقلبي ووجداني للجميع ولكن اتجاهي السياسي والإنساني ، و قُلْ الوجودي وبوصلتي محدّدة هي عدم نسيان أساس الصراع وعدم الدخول في الهوامش وعدم الهرولة لاستباق الأمور أو اقتناص اللحظة على قاعدة انتهازية ولا أعمل هكذا وخطواتي محسوبة ومدروسة كسورية أعتزّ بأصولي الكُردية .

٩
نعم أنا عادةً لا أغازل طرفا دون النظر بشكلٍ واقعي إلى مصلحة سوريا و طبيعة الصراع المستمر على الأرض السوريّة و أنطلق من ثقة الناس بي ، وأحاول النظر بعمقٍ ومنطقية عند تحديد مصالح القوى المنخرطة في هذا الصراع، وأيضاً القوى الإقليمية والدولية، فالصراع كما نعلم لم يعد صراعاً سورياً – سورياً محضاً، بل أصبح يتحكّم به المصالح المختلفة وقد تكون متعارضة بين قوى إقليمية ودولية وكلما طال الأمد كلما دخلت تناقضات وملفات جديدة تطغى على الملف السوري وتحاول أن تلعب من خلاله وأن يكون ورقة تفاوضية من ضمن أوراق ، ومن هنا فانّ مصالح الشعب السوري هي العامل الأول والثاني…. والأخير الذي يجب أن يحركّنا ، وهذا يرتّب على القوى السياسية السورية رؤية وطنية عريضة شاملة جامعة لا خلاف عليها والالتقاء في لحظة مفصلية قريبة ولاشكّ آتية . .

 

هذا الحوار تم نشره في جريدة يكيتي العدد 275

تمت قراءتها 1127 مرة

قد يعجبك ايضا