آراء

بين أنفاق حماس في غزة وأنفاق حزب الاتحاد الديمقراطي في كُردستان سوريا، يُقتل الأبرياء في حروب خاسرة

هيئة التحرير..
بقلم: جوان ولي

بعد هجوم حركة حماس بتاريخ 7.10.2023 على إسرائيل و قتلها لحوالي 1400 شخص ، منهم جنود إسرائيليون ، وأسرها لحوالي 200 شخص، أصابت حالةٌ من الذهول العالم بأسره ، حيث يعتبر هذا الهجوم هو الأقوى على إسرائيل منذ أكثر من خمسين عاماً.

منذ أكثر من شهر و نصف تهاجم إسرائيل قطاع غزة، وقد وصل عدد القتلى من الفلسطينيين الى أكثر من 11 ألف شخص، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، وتمّ تدمير جزء كبير من البنية التحتية و تشريد أهالي غزة من منازلهم.

ووجود هذا العدد الكبير من الضحايا يأتي رغم قيام حركة حماس، منذ حوالي ستة عشر عاماً، بحفر الأنفاق التي يقدّر طولها بحوالي 500 كيلومتر ، في عموم جغرافية غزة، وذلك كنوعٍ من الاستعدادات العسكرية من جهةٍ، و لتسهيل عمليات التهريب بين غزة و مصر لمختلف المواد سواءً كانت غذائية أو أسلحة أو مواد البناء من جهةٍ أخرى.

تبرز شبكة الأنفاق أو ما أصبح يطلق عليها بعض الجهات الإعلامية شبكة “مترو حماس”، كعنصرٍ مهم في حالة الحرب الحالية بين إسرائيل و حماس ، حيث أنّ معيار القوة بين الطرفين غير متوازن ؛ لذلك تلجأ حماس إلى الأنفاق لحماية عناصرها.

وبحسب تقارير للأجهزة الأمنية المصرية فإنّ حركة حماس تنفق نحو 140 مليون دولار سنوياً لحفر الأنفاق، وتبلغ تكلفة النفق الواحد 100 ألف دولار.

إنّ حجم القتل و التشريد و الدمار الذي يحصل في غزة يبيّن أنّ الهدف من هذه الأنفاق ليس حماية المدنيين، بل هي أداة لحماية حماس و قياداتها فقط.

والسؤال الذي أريد مناقشته هنا هو : ما مدى عقلانية و صوابية هجوم حماس على إسرائيل ،و هي تعلم أنّ النتيجة سوف تكون كلّ هذا الدمار في غزة؟ و أين هي أوجه التشابه بين ما تفعله حماس في غزة، و بين ما يفعله حزب الإتحاد الديمقراطي في كُردستان سوريا؟

منذ حوالي ست عشرة سنة و حماس تحفر الأنفاق في غزة ،و أنفقت الكثير من الجهد و المال لتمويل هذه الأنفاق ، و سخّرت كافة إمكانات القطاع في التجهيزات العسكرية، وكلّ ذلك على حساب احتياجات الشعب الفلسطيني في غزة.

بحسب صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، إنّ الحرب في غزة قضت على ما تبقّى من اقتصاد القطاع الذي كان بالأصل يقترب من الانهيار، نتيجة سنوات من الركود.

وكما ذكر التقرير أنّ حركة حماس التي تسيطر على غزة منذ عام 2007، ركّزت خلال العقدين الماضيين على الجوانب العسكرية على حساب الوضع الاقتصادي لأهالي القطاع.

وقد أظهر هجوم الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة عدم فعالية هذه الأنفاق في منع الهجوم البري ، رغم أنّ هذه الأنفاق تصعّب هجوم الجيش الإسرائيلي على غزة، إلا أنها تعطي مبرراً لإسرائيل للقيام بهجمات عنيفة على التجمعات السكنية ؛ ولهذا السبب فإنّ وجودها أصبح بلاءً على المدنيين ، وفي الحقيقة فإنّ الشعب الفلسطيني خسر مرتين، مرةً خسر عندما تمّ إنفاق ملايين الدولارات على هذه الأنفاق في وقتٍ كان أهالي غزة و أطفالهم محرومين من كلّ شيء و بحاجة إلى أبسط مقومات الحياة، و من جهة أخرى خسر خلال هذه الحرب ما تبقّى من اقتصاده و استقراره، وإضافةً الى ذلك تضاعف خطاب الكراهية، بحسب مواقع إعلامية، ضد المسلمين ب 422 بالمئة على موقع اكس في يومي السابع و الثامن من أكتوبر و 297 بالمئة خلال الأيام الخمسة التي تلت هجوم حماس على إسرائيل.

بالمقابل أدّت هذه الحرب إلى ازدياد الدعم الاقتصادي و العسكري، من قبل الغرب لإسرائيل ، و إذا تحدّثنا بالأرقام فانّ الدعم الذي تمّ تقديمه إلى إسرائيل يفوق بعشرات المرات الخسائر التي تخسرها إسرائيل في هذه الحرب.

كلّ ما تمّ ذكره يسير بنا إلى ما يقوم به حزب الاتحاد الديمقراطي في كُردستان سوريا ، من حفر للانفاق في المناطق الكُردية في سوريا، و تسخير كافة الإمكانيات المتوفرة لدعم الجانب العسكري، على حساب الوضع الاقتصادي للسكان ،وقد أدّى حفر الأنفاق إلى وقوع خسائر مادية و سقوط ضحايا كثر بين الأهالي. منذ البدء بحفر هذه الأنفاق لم تتوقّف المآسي إلى يومنا هذا، ومازالت تتسبّب تلك الأنفاق في انهيار المنازل، و لا أحد يعلم متى يكون دوره في انهيار منزله.

يعاني الشعب الكُُردي من الحرمان و حالة انعدام الأمان، و كلّ هذا خلق وضعاً بات كلّ فردٍ من كُردستان سوريا يتمنّى الخلاص من هذا الواقع المؤلم.

الجدير بالذكر أنّ تلك الأنفاق لم تمنع الجيش التركي و المجموعات المسلحة التابعة له من دخول عفرين، و بحسب معلومات تم نشرها على بعض المواقع الأعلامية، تمّ نقل مخططات تلك الأنفاق الى الجيش التركي من قبل مجموعة كانت تعمل ضمن قوات قسد، وهربت الى تركيا قبل فترة الحرب على عفربن.

إنّ حفر الأنفاق في غزة من قبل حركة حماس واتخاذ إسرائيل وجودها ذريعة لدخول قطاع غزة، يتشابه مع المبررات ذاتها التي اعتمدها الجيش التركى لدخول عفربن و رأس العين و تل أبيض ، حيث أنها قامت تحت نفس المبررات بمخاطبة الرأي العام الدولي بأنها مهددة من قبل ب ك ك و التي تعتبرها الدول الغربية منظمة إرهابية.

بالإضافة الى الأنفاق فإنّ المظاهر التي تدعم تبعية ال ب ي د لحزب العمال الكُردستاني و التي يتباهى بها هذا الحزب بطرق مختلفة، كرفع صور عبدالله اوجلان وتمجيده و تنظيم مظاهرات داعمة لل ب ك ك و وجود كوادر الحزب المذكور في كُردستان سوريا و غيرها من الأمور التي يقوم بها و من دون وجود مصلحة كُردية فبها أعطت مبررات لتركيا لدخول عفرين في بداية عام 2018 و بعدها دخلت إلى تل ابيض و رأس العين في نهاية عام 2019، حيث لم تمنع تلك الأنفاق، التي صرف عليها ملايين الدولارات، تركيا من دخول عفرين و المناطق الكُردية الأخرى و لو صرفت تلك الأموال على تحسين وضع السكان في كُردستان سوريا لساعد الأهالي على البقاء في بيوتهم ، و ما كان الشعب الكُردي ليترك أرضه و بيوته، و لكانت هناك اليوم جماهير حقيقية على الأرض تدافع عن أرضها و مصالحها، و لكانت هناك أرضية قوية لمحاربة أي مخططٍ للنيل من الوجود الكُردي في كُردستان سوريا.

الأموال التي كان من المفروض صرفها لتوفير متطلبات الحياة اليومية للأهالي الذين باتوا ينتظرون أي فرصة للهروب إلى أي مكان، صرفت لتزيد معاناتهم.

الأموال التي من المفروض أن تنفق لتحسين حياة السكان على وجه الأرض تصرف على بناء الأنفاق تحت الأرض لتكون قبوراً للشباب الكُرد.

النتيجة الحتمية من الدخول في حرب غير متكافئة كالتي تحصل الآن في غزة و التي حصلت في كُردستان سوريا هي الخسارة و الدمار الحتمي، و الغريب في الأمر أنّ حماس و قسد لم تتعلّم من دروسها الماضية رغم فظاعة الخسائر، و تأكيد دخول سياسة حماس و قسد في خدمة الدول التي من المفروض أنهم يحاربونها، فليست هناك أي إشارات في تغيير طريقة تعاملهم مع هذه الظروف و مازالوا يتحرّكون ضمن نفس السياسة المتبعة سابقاً.

العبرة من كلّ ذلك هي: لا أنفاق حماس استطاعت أن تمنع دخول الجيش الإسرائيلي إلى قطاع غزة و تحمي سكان غزة من القتل، و لا أنفاق ب ي د استطاعت أن تمنع دخول الجيش التركي و المجموعات المسلحة التابعة له من دخول عفرين و رأس العين و تل أبيض، و أن تحمي سكانها من القتل و التشريد.

الطريقة الأمثل لمساعدة هذه الشعوب (الشعب الفلسطيني و الشعب الكُردي) هي تسخير القدرات لتحسين ظروف حياتهم اليومية لمساعدتهم على البقاء في بيوتهم و أرضهم ، و ليس إعلان العداوات مع أطراف ليس هناك تكافؤ في القدرات العسكرية معها، و إدخال الشعوب في حروب خاسرة مسبقًا. الطريقة الأمثل للمساعدة هي البحث عن المشتركات بين القوى الداخلية، حيث المصير و المصالح المشتركة، و إنجاز أكبر قدر ممكن من الصداقات مع القوى الخارجية لكسب دعمهم لقضايا هذه الشعوب المظلومة.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “314”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى