
بين زغاريد فلسطين وشيطنة الكُردي: أي نفاق هذا؟
عاكف حسن
في كل يوم يخرج علينا الإعلام العربي بزغاريد الانتصار، وهو يصفّق لكل دولة جديدة تعترف بفلسطين. لا اعتراض على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، فهذا حق طبيعي لا يحتاج إلى وسطاء أو وصاية. لكن الغريب هو هذا التنافس المحموم، وهذه المسابقة في التهليل وكأن الاعترافات الدبلوماسية تحوّلت إلى تحرير فعلي على الأرض.
وفي خضم هذه الاحتفالات، يظهر النفاق بأبشع صوره: فحين يتحدث الكُردي عن حقوقه، ولو بالحد الأدنى من اللامركزية، تنقلب كل الموازين. يصبح الحلم الكُردي جريمة، والاستفتاء الكردي مؤامرة، والطموح الكُردي “انفصالاً”.
في 2017 لم يرفع الكُرد في كُردستان العراق سوى ورقة استفتاء، استفتاء لا أكثر. لم يشعلوا حرباً، لم يطالبوا بإبادة أحد، فقط أرادوا أن يسألوا أنفسهم: “هل تريدون الاستقلال؟” ومع ذلك قامت الدنيا ولم تقعد. حصار، تهديد، عقوبات، حملات شيطنة، وخطاب يقطر تحريضاً. كأن مجرد سؤال الشعب لنفسه جريمة كبرى.
أما اليوم، في شمال سوريا (كُردستان سوريا)، لا يجرؤ الكردي حتى على التعبير عن أبسط طموحاته: حكم لامركزي، إدارة ذاتية، كرامة لغوية وثقافية. فما إن ينطق بالكلمة حتى تنهال عليه الاتهامات بالانفصال والخيانة والعمالة. والمفارقة أن الذين يصرخون بملء أفواههم بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، هم أنفسهم من ينكرونه على الكُرد.
أي معايير هذه؟ أي عدالة مشوّهة تلك التي ترفع شعار الحرية لشعب وتكتم أنفاس شعب آخر؟ أي منطق أعوج يجعل فلسطين رمزاً للشرعية، والكُردي رمزاً للفتنة؟
لسنا ضد فلسطين ولا ضد حق الفلسطينيين في بناء دولتهم، لكننا ضد الكذب والنفاق الذي يقطر من وجوه تحتفل هناك وتشيطن هنا. ضد من يوزّع الشرف الوطني على مقاساته السياسية، ويصادر الحق الكُردي باسم “الوحدة” بينما يصفّق للحق الفلسطيني باسم “التحرير”.
الكردي لا يطلب المستحيل. لا يطلب أكثر من ما يطلبه الفلسطيني: أن يقرر مصيره، أن يعيش بكرامة، أن يحكم نفسه بنفسه. لكن يبدو أن الحق، في نظر البعض، ليس حقاً إلا إذا خدم أجنداتهم.
إنها ليست مسألة فلسطين أو كُردستان، بل مسألة صدق أو نفاق. ومن اختار النفاق، فلا زغاريده ترفع شعباً، ولا شيطنته تستطيع أن تكسر شعباً.






