آراء

بين منطق القوة وخيار الحوار: ملامح مرحلة جديدة في العلاقة بين الحكومة السورية الانتقالية والكرد

فؤاد عليكو

بعد فشل تطبيق اتفاقية العاشر من آذار  2025 بين الحكومة المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، عقب سلسلة طويلة من اللقاءات، امتدت حتى نهاية عام 2025، دخل الملف السوري منعطفاً جديداً. فقد عُقد اجتماع مهم في باريس في 5/1/2026 ضمّ المبعوثين الأمريكيين وممثلين عن إسرائيل وسوريا وفرنسا، مع حضورٍ تركي غير مباشر. وقد أسفر عن هذا الاجتماع على تفاهمات متعددة الأطراف، كان أبرزها التوافق على بسط سيطرة الحكومة السورية على كامل الأراضي السورية، إضافةً إلى تفاهمات سورية–إسرائيلية عبر سلسلةٍ من الإجراءات التدريجية التي سوف تفضي إلى نوعٍ من التطبيع، تشمل التنسيق الأمني والتجاري والاستثماري والطبي في الجنوب السوري، إلى جانب ملفات أخرى لم يُكشف عنها بعد.

سرعان ما بدأت نتائج هذه التفاهمات تظهر ميدانياً على الأرض، من خلال الهجوم العنيف الذي شنّته السلطة، في اليوم التالي، على حيي الشيخ مقصود والأشرفية، ثم المعارك التي تلت ذلك في غربي وشرقي الفرات، والتي انتهت بخروج محافظتي الرقة ودير الزور من تحت سيطرة قسد، إضافةً إلى فقدان بعض المناطق العربية في محافظة الحسكة، لينحصر وجود قسد في كوباني والمناطق ذات الأغلبية الكَردية ومدينة الحسكة.

في تلك اللحظة، أصبح التهديد وجودياً بالنسبة للكُرد، مع مخاوف حقيقية من حصول انتهاكات واسعة. عندها تحرّكت الدبلوماسية الكُردية في إقليم كُردستان العراق بقيادة الرئيس مسعود البارزاني على كافة المستويات الإقليمية والدولية، بالتوازي مع اتصالات مباشرة مع الرئيس السوري، وترافق ذلك مع خروج مئات الآلاف في مظاهرات يومية في أوروبا وتركيا والإقليم والولايات المتحدة وكندا واستراليا. وقد شكّّل هذا الحراك الشعبي دعامةً قوية للعمل الدبلوماسي، وأسهم في الوصول إلى اتفاقية 18 كانون الثاني في هولير2026، التي جمعت المبعوث الأمريكي توم براك مع قائد قسد مظلوم عبدي والرئيس مسعود البارزاني.

لاحقاً جرى تعديل بعض البنود التنفيذية لهذه الاتفاقية ضمن اتفاق دمشق في 29/30 كانون الثاني 2026، والذي دخل حيّز التنفيذ بسلاسة وإيجابية، رغم بعض الاعتراضات والاحتجاجات الشعبية المحدودة والتي يُتوقع أن تتراجع تدريجياً مع تقدم عملية التطبيق. ومن شأن هذه الاتفاقية إبعاد شبح الحرب عن المناطق الكُردية، وتهيئة الظروف لعودة المهجّرين إلى مناطقهم، وخلق بيئة مناسبة للحوار مع الحركة السياسية الكُردية. وقد لمسنا أولى نتائج ذلك عبر زيارة وفد المجلس الوطني الكُردي إلى دمشق، وزيارة وفد من أهالي كوباني إلى حلب، إضافة إلى تعيين محافظ كُردي لمحافظة الحسكة، وهي سابقة لم تشهدها سوريا منذ تأسيس دولتها الحديثة، مما يشكّل مؤشراً إيجابياً نحو استقرار أمني وسياسي وإداري في المناطق الكُردية.

من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل الواقع الخدمي والإداري الصعب الذي عاشه المواطنون في مناطق سيطرة قسد، بعد سقوط النظام المخلوع، حيث توقفت معظم المرافق الحكومية عن العمل، ما أدّى إلى شلل واسع في المعاملات القانونية والتجارية، من تسجيل الولادات والزواج إلى إصدار الهويات وجوازات السفر، واضطرار المواطنين للسفر إلى دمشق بتكاليف باهظة من الوقت والمال. لذلك، فإنّ دخول القوى الأمنية للسلطة بشكل رمزي وانتشارها في المراكز الحكومية بهدف إعادة تفعيل المؤسسات،الذي يُعد ضرورة حياتية، ويسهم في تخفيف الاحتقان والاعباء ويساهم ببناء جسور الثقة بين الدولة والمواطنين .

وفي السياق السياسي، يُعدّ استقبال الرئيس أحمد الشرع لرئاسة المجلس الوطني الكُردي خطوة في الاتجاه الصحيح، رغم أنها جاءت متأخرة. فلو تمّ هذا اللقاء بعيد إسقاط النظام السابق أو بعد انعقاد المؤتمر الكُردي لوحدة الصف في 26 نيسان 2025، لربما أمكن تجنب كثير من المواجهات المؤسفة وما رافقها من ضحايا وفقدان ثقة وتصاعد خطاب الكراهية بين الكُرد والعرب. ومع ذلك، فإنه وكما يقول المثل “أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً”. فقد فتح هذا اللقاء نافذة جدية لحوار حقيقي بين ممثلي الكُرد والحكومة الانتقالية، ونامل أن يتبعه قريباً لقاء مع الوفد الكُردي المنبثق عن المؤتمر المذكور.

أما فيما يتعلّق بضمان حقوق الكُرد في الدستور السوري المستقبلي، فإنّ الطريق يبدأ ببناء الثقة المتبادلة، وفتح حوار جاد وبنّاء حول آليات حل القضية الكُردية في إطار وطني جامع. ويتطلّب ذلك مشاركة فعلية لممثلي الكُرد في لجنة صياغة الدستور، وإدراج ما يتمّ التوافق عليه ضمن نصوصه، وهو ما وعد به الرئيس الشرع خلال لقائه مع وفد المجلس الوطني الكُردي، ما يشكّل عاملاً مشجعاً للاستمرار في تفعيل مسارات الحوار السياسي والقانوني.

وفي هذا السياق يأتي المرسوم التشريعي رقم 13 كإشارة قارقة، إذ يمثّل لأول مرة، منذ أكثر من ثمانية عقود، اعترافاً صريحاً بالهوية الوطنية الكُردية والحقوق الثقافية، واعتبار اللغة الكَردية لغة وطنية، وإعادة الجنسية للمجردين منها والمكتومين، والاعتراف بعيد نوروز عيداً قومياً للكُرد.

وعلى الرغم من وجود بعض النقاط الغامضة والتي تحتاج إلى توضيح، فإنّ هذا المرسوم يشكّل خطوة إيجابية ومقدمة لمعالجة أعمق للقضية الكُردية في بعدها السياسي، شريطة الالتزام بتطبيقه عملياً وتثبيته دستورياً بعد إدخال الملاحظات التي ستطرحها الحركة السياسية الكُردية في المفاوضات القادمة.

وفي المحصلة، مهما كانت الخلافات عميقة، فإنّ لغة الحوار والتفاهم حول المشتركات تبقى الخيار الأفضل، بل الوحيد، لبناء وطن يتسع لجميع أبنائه.

قد تكون الطريق طويلة، لكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، وما نشهده اليوم يمكن أن يكون بداية لمسار جديد نحو سوريا ديمقراطية تعددية لامركزية، بعيدة عن الإقصاء والتهميش، وقائمة على الشراكة الحقيقية بين جميع مكوناتها.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “340 – 341”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى