آراء

تجارب اقتصادية رائدة في كردستان سوريا (مؤسسة أصفر ونجار إخوان أنموذجاً)

خورشيد عليكا
عضو جمعية الاقتصاديين الكرد- سوريا
أصفر ونجار عائلة سريانية، من آمد (ديار بكر) وهي مكونة من بيتين آل أصفر
وآل نجار، تجمعهما والدة هي المرحومة مريم رضوانلي. وانتقلت العائلة بسبب
الظروف القاسية جنوباً إلى ربوع الجزيرة عندما وجدوا المساواة والحرية
مطبقة في المنطقة، واستقروا في مدينة قامشلو الحديثة التكوين ما بين عامي
1928- 1932.
ولدة نواة المؤسسة العائلية عام 1922م من والدهم سعيد نجار وأولاده،
وتوزعت نشاط المؤسسة منذ البداية في الزراعة، حيثُ كان لسعيد نجار قرية
اسمها “ملوك سراي” بالقرب من ديار بكر، ومن ثم تفرغوا إلى إدارة تربية
دودة القز للحرير وصناعته لآخر مراحل تحويله إلى الغزل والنسيج.
بدأت المؤسسة عام 1932 بالتوسع في زراعة الأرز وإقامة مصنع حديث في
قامشلو لقشر الأرز وتبيضه. وفي منتصف شهر تموز من عام 1941، قام الأتراك
بتحويل مجرى نهر الجغجغ، وأتلفوا بذلك كل مزروعات الأرز عليها. أمام هذه
الحالة المؤسفة لجأ الإخوان إلى البحث عن مصادر للمياه للري في أماكن
أخرى من محافظة الجزيرة وحيث بلغت بهم الهمة للذهاب إلى بحيرة الخاتون
(على حدود العراق وجبال سنجار)، ونصبوا المضخات ومحركات تعمل على الديزل،
لسحب المياه من البحيرة وسقاية الأراضي وزراعة الأرز وذلك عام 1941، ولكن
المساحات القابلة للزراعة كانت محدودة. وفي عام 1942 وصلوا إلى رأس العين
حيث وجدوا ينابيع المياه تنبع في المدينة تسيل وتشكل نهر الخابور.
وانصرفوا إلى التعاقد مع خليل إبراهيم باشا لتركيب مضخات مع محركات كبيرة
على النبع “عين زرقاء” برفع المياه من النبع بارتفاع خمس عشر متراً
ونقلها بالسواقي والقنوات إلى الأراضي المجاورة لزراعة الأرز.
وفي عام 1936، أدخلوا لأول مرة في الشرق، الآلة الميكانيكية باستيرادهم
الجرار من ماركة “كيز”، يعمل على الكاز، وحصادة رباطة من ماركة “ماسي
هاريس”، وفي عام 1938 أدخلوا التراكتور “كاتربيلار” والحصادة من ماركة
“جون دير”.
ومع بدء توسع الأعمال الزراعية واستصلاح الأراضي بالآلة الميكانيكية
وتطور العلاقات المالية والمصرفية وازدياد عدد العمال العاملين في
المؤسسة، تقرر التحول إلى شركة نظامية باسم أصفر ونجار إخوان، شركة
تضامنية، كان يجتمع المجلس دورياً سنوياً سواء بحلب أو قامشلو ويتدارس
الأعضاء المواضيع المعروضة وتتخذ القرارات بالإجماع.
وانتشرت نشاط المؤسسة باتجاه غرب قامشلو أي إلى منطقة رأس العين بحثاً عن
مصادر المياه الحلوة لزراعة الأرز وتعاقدوا مع ورثة إبراهيم باشا، حيثُ
أخذوا على عاتقهم استصلاح الأراضي البائرة. وكان مساحة هذه الأراضي حسب
سند التمليك الرسمي السوري وحسب الحدود الواردة في السند صراحة، تزيد عن
3 ملايين دونم ما يعادل 300000 هكتار. حيث أمتلك أصفر نجار وأخوان 50%
والنصف الأخر لآل إبراهيم باشا.
ومن بعض نشاطات الشركة في الزراعة والعمران والخدمات الاجتماعية نذكر ما
يلي: (زراعة الأرز في كردستان سوريا لأول مرة وإنشاء مصنع لقشره وتبييضه
منذ عام 1931، وإدخال الآلة الميكانيكية في الزراعة لأول مرة في سوريا
عام 1936، وإنشاء القرى خارج المدن وإسكان الفلاحين بالرغم من الصعوبات
والمخاطر من العشائر، وإقامة أول علاقة تعاونية مع العمال الميكانيكيين
ومدهم بآلات العمل والمال والبذار والإرشادات الفنية، وإشراكهم في
الإدارة والأرباح وتمليكهم وسائل الإنتاج من الآليات، واستصلاح الأراضي
البائرة منذ الخليقة وتحويلها إلى أراض صالحة للإنتاج، اعتباراً من 1942،
واستعمال وسائل الري الحديث بالرش الاصطناعي لزراعة القطن واستيراد
معداتها من ألمانيا عام 1955، وتخطيط وتنفيذ أول قرية (مدينة صغيرة)
نموذجية في وسط الأراضي المستصلحة في منطقة رأس العين وسميت “المبروكة”،
والمساهمة في تأسيس أول شركة كهرباء لتغذية مدينة قامشلو بالكهرباء ليلاً
ونهاراً وذلك في عام 1949).
كما وكانت من مشاريع الشركة بعيدة المدى: (مشروع العشرين سنة لزراعة
المروية، ومشروع العشرين سنة للزراعة البعلية، ومركز مبروكة النموذجي على
شكل قرية نموذجية فيها جميع الأسباب اللازمة لاحتياجات الاستثمار
الزراعي).
بالإضافة إلى بعض أعمال المؤسسة العمرانية المختلفة كالجسور بالإسمنت
المسلح، والسدود كسد “ملوك سراي” وهو من الإسمنت المسلح قوي الدعائم.
وقد انفقت شركة أصفر ونجار إخوان كل ما جلبته معها من تركيا، والأرباح
التي جنتها من استثمار مشاريعهما الزراعية والقروض التي استحصلت عليها،
أنفقتها جميعاً في استصلاح الأراضي والمشايع التي جرى ذكرها سابقاً،
والتي تجاوزت /15/ مليوناً من الدولارات الامريكية.
لكن حرمت المؤسسة من أملاكها بقرار من السلطات السورية عام 1969، حيثُ
تمكن وزير الإصلاح الزراعي فاز الجاسم، من حرمان، جميع أفراد مؤسسة أصفر
ونجار إخوان، من حقوق الاحتفاظ من حقهم الأدنى المنصوص في قانون الاصلاح
الزراعي، ولم تترك لهم شبراً من الأراضي. وكان قد سبق ذلك أن استولت
الدولة ونزعت يدها عن كامل أملاكهم الزراعية في منطقة قامشلو، عام 1967.
إن المؤسسة كانت ضحية مؤامرة من قبل بعض الحاقدين في فرع حزب البعث (في
الحسكة) مستنداً إلى اجتهاد مخالف للقانون من قبل أحد الموظفين في فرع
الإصلاح ونفذها وزير الإصلاح الزراعي بدمشق دون تقدير مدى نتائجها
السلبية وخاصة على الطبقة العاملة. وبذلك فقد حلت المؤسسة نفسها تحت ضغط
وإرادة سلطوية وأغلقت مكاتبها وفروعها في قامشلو، وعين الزرقاء ومبروكة
وحلب ودمشق، وسرحت جميع العاملين فيها وصرفت العمال الدائمين والموسميين
في مشاريعها الزراعية، بعد دفع جميع حقوقهم وتعويضاتهم القانونية، وكذلك
برأت ذمتها وذمة أفرادها من أي حق أو إلتزام. حيث كان يعمل في المؤسسة
أكثر من 15 ألف عامل في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، فلولا قانون
الاصلاح الزراعي ومؤامرة الحاقدين لكان عدد العاملين في هذه المؤسسة
حالياً تجاوز الـ 100 ألف عامل.
ولكن يكمن السؤال في أنه أين كانت الاقطاعية الكردية؟. وهل كانت هناك
تجارب اقتصادية كردية رائدة في كردستان سوريا؟.
نشر في الجريدة المركزية لحزب يكيتي الكردي في سوريا، العدد (206)، تاريخ آب 2014
https://www.facebook.com/Komela.Aborinasen.Kurd.li.Suri2006
kak.suri2006@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى