آراء

تركيا إلى أين ؟ سيناريوهات ما بعد الانتخابات

م. محمد جعفر
اصبحت التهديدات السياسية والاقتصادية في تركيا واضحة وجلية وكأننا يمكننا القول ان ما بناه اردوغان وحزبه في العقد الاخير امام منعطف تاريخي وقد تُمحي هذه الصفحات من التاريخ تركيا المعاصر أو تصبح ذكرى , فما أفرزته إنتخابات 2015 الدروة الخامسة والعشرون للانتخابات البرلمانية التركية يعتبر نقلة نوعية في تاريخ تركيا وفي الوقت نفسه ادخل تركيا الى حالة من الترقب السياسي , حزب العدالة تبددت امالة ليس فقط بتغير الدستور دون المرور في الاستفتاء الشعبي كما كان يتمنى اردوغان و استبعدتها استطلاعات الرأي , بل لم يعد بإمكانه تشكيل حكومته منفراً ,حزب العدالة الان في وضع محرج جداً لم يكن يتوقعه و الذي يضع تاريخه على المحك .
لنرجع قليلاً الى الخلف و نرى ما حدث في هذه الانتخابات :
كان من المميز في هذه الدورة مشاركة حزب جديد هو حزب الشعوب الديمقراطية ذو الخلفية اليسارية والذي يوصف على انه حزب كوردي وهو وليد حزب العمال الكردستاني الذي أدخل تركيا في صراع عسكري داخلي لأكثر من ثلاثة عقود , ظهور الحزب كان إحدى مفرزات مبادرة السلام بين حكومة العدالة والتنمية و حزب العمال الكوردستاني (ب ك ك) , المبادرة التي كانت تهدف إلى إنهاء حالة الصراع الدموي في تركيا وإدخال الكورد في العملية السياسية و تخليص تركيا من صراع عبثي يكلف الدولة المليارات من الدولارات التي من الافضل توجهها الى الاستثمار والتنمية وبذالك يكسب اردوغان عملية توصف بالتاريخية و يصبح الرئيس التركي الذي استطاع حل القضية العالقة منذ أكثر من 100 سنة مضت بعملية توافقية ترضي اطراف النزاع دون تقديم تنازلات سيادية .
دخول حزب الشعوب الديمراطية إلى العملية الانتخابية كان يطرح عدة سيناريوهات أهمها أن لا يستطيع الحزب تحقيق نسبة 10% التي تخوله لدخول البرلمان وان تذهب الاصوات التي يحصل عليها الحزب الى الحزب الاكبر الذي يليه في الدائرة الانتخابية وهو حزب العدالة الامر الذي يزيد من فرص اردوغان لتحقيق اكثرية برلمانية قد يجعلة يتخطى الثلثين و الذي استبعده كثير من المراقبين , أو على الاقل حصوله على عتبة 333 نائباً مما سيسمح للعدالة تمرير دستوره الجديد الى استفتاء شعبي على أقل تقدير وهذا الامر لم يحدث ايضاً , فقد تخطى حزب الشعوب الديمقراطية ورئيسه ديمرتاس عتبة 10% واستطاع الحصول على 80 مقعد في البرلمان في حين ان حزب العدالة كافح بشدة لحصوله على 258 نائباً بتراجع يقارب 10% من الدورة السابقة وهذا العدد لا يمكن حزب العدالة من أن يشكل حكومة منفردة وبتالى كان نصراً بطعم العلقم وهو الآن بحاجة الى تحالفات لتشكيل حكومته المقبلة , فما هي السناريوهات التي تلي الاحداث ؟
-السيناريو الاول هو تحالف اردوغان مع ديمرتاش
هذا التحالف يمكن اردوغان من ان يضم 80 مقعداً الى مقاعده البالغة 258 ليحقق بذالك 338 مقعداً الامر الذي يساعده في تشكيل الحكومة وايضاً طرح دستوره الجديد الذي يسمح بتغيير نظام البلاد من برلماني الى رئاسي الى الاستفتاء العام وكذالك استمراره في حل القضية الكوردية واستمرار مبادرة السلام و نزع سلاح حزب العمال الكوردستاني , كذالك يمكن لحزب ديمرتاش ان يستمر كذالك في عملية السلام و التفاوض بسكل جدي من اجل إطلاق سراح اوجلان و اضافة تعديلات دستورية كالاعتراف بالقومية الكوردية كثاني قومية في البلاد و السماح باستخدام اللغة الكوردية وتعليمها و الحصول على شكل من الادارة الذاتية للاقليم الكوردي في تركيا و كذالك المطالبة بالحريات الدينية للعلويين وقضايا اخرى يهتم بها الحزب .
هذه الامور ليس من السهل التوافق عليها نتيجة لضغوط كثيرة منها داخل حزب دمرتاش وعلاقته مع حزب العمال الكوردستاني فقد يتدخل جميل بايق زعيم قوات الكريلا التابعة لحزب العمال والمعروف ولائه لايران بالهجوم على الثكنات العسكرية و زيادة العمليات العسكرية في جنوب شرق البلاد وقنديل لتقويض التوافق و مبادرة السلام الذي يرفضها من جهته وهذا الامر متوقع حدوثه في الايام القليلة القادمة , من جهة اخرى يجب ان لا ننسى ان اقليم كردستان العراق عراب خطة السلام قد يتدخل لصالح استمرار عملية السلام فهو يملك تياراً كبيراً داخل حزب الشعوب مما سينعكس ايجابياً على التوافق أو قد يؤدي إلى انشقاق داخل الكتلة البرلمانية .
أما إذا فشل هذا السيناريو لاسباب قد تكون داخلية او خارجية فسيكون الخاسر الأكبر من الفشل هو حزب الشعوب الذي سيخسر الامتيازات الدستورية التي يمكن ان يحققها من خلال التوافق لذا أرى بأنه من الحري به ان يكون الاحرص على التوافق ونجاح سيناريو التوافق .
-السيناريو الثاني هو تحالف يجمع ما بين حزب الحركة القومية بقيادة دولت بهجلي و أردوغان
بخصوص هذا السيناريو يجب ان لا ننسى ان حزب الحركة القومية كان وما يزال رافضاً بشدة الوصول إلى تسوية مع حزب العمال وهو يسترط في دخوله لاي تحالف مع اردوغان ايقاف عملية السلام بتالي اعادة تركيا الى فترة ما قبل توالى حزب العدالة السلطة وتقوية نفوذ العسكر , وهذا يعني أن احتمالية وصول الطرفين الى توافق لتشكيل حكومة امر مستبعد فلا اظن ان اردوغان مستعد للتخلى عن اهم انجاز حققه خلال فترة حكم حزبه للبلاد الانجاز هذا الذي مكن اردوغان من ايصال تركيا الى بر الامان و تحقيق نهضة اقتصادية و تنموية .
-السيناريو الثالث : تشكيل حكومة اقلية برلمانية حيث بإمكان حزب العدالة انشاء حكومة بما يملك من اصوات داخل البرلمان ولكن هذه الحكومة ستكون ضعيفة ولا يمكن لها الاستمرار والعمل بحرية وستكون تحت رحمة البرلمان .
-السيناريو الرابع : الانتخابات المبكرة
في حال عدم التوصل إلى توافق بين حزب العدالة واي من الأحزاب الأخرى لتشكيل حكومة أئتلافية ستمر البلاد بحالة فوضى سياسية الذي سيؤدي الى توتر اقتصادي و انخفاض من قيمة العملة التركية ليصل الى مستويات غير مسبوقة وكساد في الاسواق مما يضع الشعب أمام كارثة تودي الى انتشار حالة من الفزع وتخوف من العودة الى زمن القحط و الفقر علماً ان الشعب في تركيا لا يزال يتذكر تلك الايام السوداء وسنوات العجاف , علماً أن اهم الاسباب التي منحت حزب العدالة ثقة الجماهير هو عمله من اجل النهضة الاقتصادية .
لذا سيتم الدعوة الى انتخابات مبكرة بعد 45 يوماً من تاريخ الانتخابات العادية وسيكون بإعتقادي ما سيميز الانتخابات إقبالاً أكبر على حزب العدالة صاحب عملية الاستقرار والازدهار الاقتصادي وقد تمكن الحزب من الحصول على اكثرية الثلثين التي ينشدها نتيجة لسيناريوهات الازمة السياسية و التوتر الاقتصادي , وهنا سيكون الخاسر الاكبر من علمية اعادة الانتخابات هو حزب الشعوب الديمقراطية وقد نلاحظ تراجعاً في نسب المصوتين لحزب الحركة القومية ليصل تقريباً الى 11% واستقراراً نسبياً لحزب الشعب الجمهوري , بإعتقادي أن هذا السيناريو هو الاوفر حظاً ما بين باقي السيناريوهات لأسباب تتعلق في وجود خلافات داخلية داخل حزب الشعوب الديمقراطية الذي يعتبر الشريك المناسب لاردوغان لاستمرار عملية السلام والتنمية .
م. محمد جعفر

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى