تركيا ـ أردوغان قلقة… لماذا؟

إيلان بيرمان

سيطر حزب العدالة والتنمية (Adalet ve Kalkınma Partisi) منذ عام 2002 بشكل كبير على الحياة السياسية في تركيا. نجح الحزب على مدار العقد ونصف العقد الماضيين، في تعزيز السيطرة الشاملة على المؤسسات الأساسية في البلاد من خلال سلسلة من المكائد المحلية والمناورات السياسية البارعة، وذلك تحت إشراف زعيمه رجب طيب أردوغان، الذي برز خلال العملية، نفسه كرئيس بلا منازع لنظام استبدادي عمودي.

ومع ذلك، قد يتغير كل ذلك قريبا ـ أو هذا ما يخشاه المسؤولون الأتراك الآن.

في الانتخابات البلدية التي جرت في أواخر آذار/مارس الماضي، خسر حزب العدالة والتنمية، بشكل غير متوقع، رئاسة بلديات أكبر ثلاث مدن في البلاد ـ اسطنبول وأنقرة وإزمير ـ لصالح حزب الشعب الجمهوري المعارض. وأقل وصف لهذه النتائج، هو أنها مثلت زلزالا سياسيا؛ إذ سيطر حزب العدالة والتنمية على البلديات في تلك المدن دون انقطاع منذ توليه السلطة. وبذلك، كانت نتائج الانتخابات بمثابة “تصويت بعدم الثقة” بحزب العدالة والتنمية وزعيمه.

رد أردوغان وأتباعه كان متوقعا. ادعى حزب العدالة والتنمية في البداية أنه سيطعن في نتائج الانتخابات في المدن الثلاث. مع مرور الوقت، عدل هذا الموقف واعترف بالهزيمة في إزمير والعاصمة أنقرة. لكن اسطنبول مسألة أخرى بالكامل، فضغط أردوغان بقوة من أجل إلغاء نتيجة الانتخابات فيها ـ حيث كان رئيس الوزراء السابق بينالي يلدريم مرشح حزب العدالة والتنمية المختار.

أسبابه للقيام بذلك واضحة. تُعد المدينة بوابة تركيا إلى أوروبا، فضلا عن كونها محركا رئيسيا للتجارة والسياحة. إنها أيضا العاصمة المالية والمدينة الأكبر إذ يبلغ عدد سكانها (الرسمي وغير الرسمي) حوالي خمس سكان تركيا البالغ عددهم 80 مليون نسمة. كل هذا يجعل اسطنبول جائزة سياسية أكبر من أن يتخلى عنها حزب العدالة والتنمية بهدوء.

أثبتت حملة الضغط فعاليتها. في وقت سابق من هذا الشهر، انحنت اللجنة العليا للانتخابات في البلاد أمام إرادة أردوغان وأمرت بإعادة إجراء الانتخابات، على الرغم من موافقتها السابقة على النتيجة الأولية. من المتوقع، بشكل كبير، أن يستعيد حزب العدالة والتنمية الهيمنة على إسطنبول، في الانتخابات المقبلة، التي حدد موعدها في نهاية شهر حزيران/يونيو المقبل، لكنها ستمثل رصاصة سياسية يطلقها أردوغان على نفسه.

لكن حتى هذا النصر الانتخابي، لن يقدم إلا القليل لحل المشكلة الجوهرية التي تواجه أردوغان وحزب العدالة والتنمية: اقتصاد يعاني من مرض عميق.

ترزح تركيا اليوم تحت وطأة أكثر من 440 مليار دولار من الديون الخارجية من مقرضين مثل صندوق النقد الدولي ـ أي أكثر من ضعف المعدل السنوي للبلاد بين عامي 1989 و2018. ضاعفت هذه التبعية أزمة العملة التي برزت في العام الماضي، إذ انخفضت قيمة الليرة التركية وسط ارتفاع التضخم وارتفاع كلفة الاقتراض، مما أدى إلى ركود اقتصادي طويل.

وهناك المزيد من الاضطرابات في الأفق. ما يقرب من نصف قروض تركيا هي بالدولار الأميركي، وقد ارتفعت قيمتها مع انخفاض قيمة الليرة التركية. بالإضافة إلى ذلك، أكثر من 100 مليار دولار من هذا الدين تستحق هذا العام ـ مما يخلق التزاما كبيرا تواجه الحكومة التركية ضغوطا شديدة للوفاء به دون مساعدة أجنبية.

هنا، خيارات أنقرة محدودة. الحكومة التركية ذكية بما يكفي في تخوفها من الآثار الجانبية المحتملة لقبول الأموال الصينية، وينظر المسؤولون إلى الاعتماد المتزايد والواضح على بكين الآن في جميع أنحاء آسيا الوسطى كقصة تحذيرية لبلدهم. ومع ذلك، فإن علاقات تركيا المتوترة بشكل متزايد مع أوروبا والولايات المتحدة تجعل القروض الجديدة من هذه الدول أقل احتمالا في المقارنة مع الأعوام السابقة. لكن، لا تزال أموال الخليج خيارا، ولذلك تقربت الحكومة التركية من قطر بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة. إجمالا، من الصعب اعتبار أن الخيارات المتاحة لحزب العدالة والتنمية واعدة.

ومما يزيد المشكلة تعقدا الحالة السيئة للميزانية الفيدرالية التركية. وفقا لتقديرات جهات مطلعة، فإن ما تمتلكه الحكومة التركية حاليا من احتياطيات وطنية تكفي لتغطية شهرين إلى ثلاثة أشهر فقط من العمل الحكومي العادي. قد يضخ موسم السياحة الصيفي المزدحم عادة في البلاد بعض الإيرادات التي تحتاجها خزائن الحكومة.

ومع ذلك، يعتقد مراقبون للشأن التركي أن البلاد سوف تجد نفسها على أعتاب أزمة ميزانية خطيرة ـ أزمة يمكن أن تهز أسس سيطرة أردوغان على السلطة. في الواقع، إذا حدثت أزمة اقتصادية حقيقية، فقد يجد رجل تركيا القوي نفسه خارج السلطة من قِبل النخبة الاقتصادية المتجذرة في البلاد.

عبر السنوات أثبت أردوغان قدرته على النجاة سياسيا، والوقت سيبرهن إذا سيتمكن من النجاة مجددا. لكن الدلائل المتراكمة تشير إلى أن السياسة التركية تعيش تحولات ومخاضات لم تشهدها خلال ما يقارب العقدين الأخيرين.

بالحكم على مناورات أردوغان السياسية غير الحكيمة والمتزايدة، يبدو أنه توصل للنتيجة ذاتها.

الحرة

جميع المقالات المنشورة تُعبر عن رأي كتابها ولاتعبر بالضرورة عن رأي Yekiti Media

قد يعجبك ايضا