تصريحات باراك، خيبة أمل؟ أم قراءة سطحية سريعة؟
محمد زنكنة
أثارت تصريحات المبعوث الأمريكي لسوريا، توماس باراك، الكثير من الجدل والسجالات حول مستقبل هذا البلد، وتحديداً غرب كُردستان (كُردستان سوريا)، في هذا الاطار، بل ووصلت لحد خيبة الأمل من قبل بعض الأطراف والمراقبين والأحزاب السياسية الكُردستانية، وحدّ الشماتة والفرح والطالبة بالمزيد من الإجراءات التي تلغي أي وجود كُردي في سوريا، في استكمال لسياسات الحكومات السورية المتعاقبة، وضاربة عرض الحائط كلّ الشعارات التي رفعتها السلطات السورية التي أخذت زمام الحكم بعد إسقاط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وكاشفة بذلك الوجوه الحقيقية للذين عينوا أنفسهم كمتحدثين باسم السلطة السورية الحالية ومؤيدين لكلّ خطواتها وكلّ ما يعلن من قبلها، ولكن، هل تستحق تصريحات باراك، خيبة الأمل من قبل الجانب الكُردي، والفرحة والشماتة من قبل الجانب الآخر؟
وبقراءةٍ سريعة في تاريخ العلاقات، بين الولايات المتحدة الامريكية ودول الشرق الأوسط، والكثير من دول العالم الثالث، نلاحظ تكراراً لهذا النوع من التصريحات وخصوصاً عندما يتعلّق الامر بالكُرد وبقضية هذا الشعب في أجزاء كُردستان الأربعة، بل أنّ هذا الموقف يعاد باستمرار، منذ أيام تأسيس عصبة الأمم وصولاً الى تثبيت الخارطة الحالية لمنطقة الشرق الأوسط، ثم تغيرت تباعاً وعلى حسب المراحل السياسية، ومع أنها لم تصل الى حد التأييد الحقيقي لحقوق هذا الشعب، لكن المعطيات والمصالح الدولية ونسبة التقارب والتباعد بينها وبين دول المنطقة، كانت سبباً في الكثير من التفاوت والتغيير في المواقف والتصريحات.
شخصياً لم أستغرب من التصريحات التي أطلقها باراك، والتي أتت بالتأكيد، من خلفية شرقية (نسبة لأصوله اللبنانية)، هذا بالإضافة الى عدم وجود قراءة ودراية صحيحة بالوضع السوري، نسبة لمهمته المحدودة والتي تنصّ على وحدة سوريا، بجيشها ونظامها السياسي وصورتها الحالية المؤيدة من قبل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وخصوصاً بعد إخراج هيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب الامريكية.
كما أنّ الإدارة الامريكية وفي تصرفها مع السلطة السورية الحالية، تريد أن تثبت للجميع، بأنها مهتمة بكامل الشأن السوري وهي الحليفة المقرّبة لهذا النظام الذي ابتعد تماماً عن النفوذ الإيراني، لذلك تحاول مسايرة هذه السلطة في كلّ ما تريد (على الأقل إعلامياً)، لتحقّق ما تريده هي، أي ما تريد واشنطن تحقيقه من أهداف ومصالح استراتيجية تخطط لها منذ زمن بعيد لتثبت أقدامها أكثر في الشرق الأوسط، وتؤسّس لنفسها أوسع منطقة نفوذ على مستوى العالم لتحقيق التوازن من حيث النفوذ مع الجانب الروسي،، بل والتغلب عليه في الصراع العتيد بين (الحليفين المتخالفين)، على مرّ العصور السياسية.
وعن مبدأ الفدرالية، والذي قال باراك بانها لا تناسب الوضع السوري (في الوقت الحالي)، فإنّ هذا الكلام سمع قبل أكثر من عقدين، ومن قبل الحاكم المدني للعراق بعد سقوط نظام صدام بول بريمر، والذي كان يريد فرض نظام فدرالية المحافظات، في محاولة منه لأمركة الوضع العراقي، ووصل به الحد الى مطالبته بحل قوات البيشمركة وصهرها بالجيش العراقي (والذي حله بنفسه)، في إطار وبناء وتنظيم جديد، يخضع لسيطرة شخص واحد، لكن الرئيس مسعود بارزاني كان له بالمرصاد، وبإصراره على مقاطعة العملية السياسية وتوجهه الى أربيل وعدم المشاركة في جلسات مجلس الحكم في تلك الفترة، اضطرّ بريمر الى الخضوع لما أصرّ عليه الرئيس بعدم المساس بالبيشمركة والنظام السياسي الذي ثبت في الدستور.
ويكمن السبب الرئيسي في اعتراض المبعوث الأمريكي على ما يطالب به (جزء مهم من القيادة السياسية الكُردستانية في سوريا)، بتثبيت مبدا الفدرالية كأساس للحكم في سوريا، في إرضاء الجانب التركي بالتوازي مع الحساسية التي تشكّل قلقاً كبيراً لدى الحكومة التركية من وجود أي كيان أو حكم ذاتي أو حتى تجمعات كُردية من الممكن أن تؤثّر على الكُرد في تركيا، أي أنّ واشنطن تحاول وبكلّ إصرار أن تمحو كلّ الهواجس التي تعاني منها تركيا في هذا الاتجاه، إن كان بتخديرها مؤقتاً لحين التفهم الكامل بعد أن يفرض الأمر الواقع نفسه، أو بالاستفادة من هذه النقطة لمساومتها ونيل أكبر قسطٍ من المصالح عن طريقها بشكلٍ مباشر أو غير مباشر.
وحول الانضمام السريع وغير المشروط لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وتسليم أسلحتها بالكامل للحكومة السورية، فإنّ واشنطن تعلم جيداً وأكثر من غيرها، بأنّ هذه القوة هي حليف أساسي لها، وهي بحاجة إليها والى وجودها، وأنّ المكون الاثني الموجود في هذه القوة العسكرية، يمثّل كامل الطيف السوري، والأهم من كلّ ذلك، أنّ الاحداث الأخيرة التي شهدتها سوريا وتحديداً في محافظة السويداء، ستجبر الجانب الأمريكي على تغيير حساباته وخططه بالقبول بالأمر الواقع، والإبقاء على (قسد)، وان كانت لا تتقبل بقاءها، لأنها الأكثر ثقة من بقية الفصائل والميليشيات العسكرية، لأنها لم تدرج في قوائم الإرهاب، وانّ واشنطن وبحسب ما صرّح به باراك، تعلم جيداً بأنّ (قسد)، لم تكن جزءاً من وحدات حماية الشعب التابعة لحزب العمال.
لكن ما أثار الانتباه حقاً ما صرّح به باراك وهو يصف الشعب الكُردي في سوريا بـ(الجميل)، ولكن في اطار الدولة السورية، وكأنه هو من يحدّد جماليات هذا الشعب بمعاييره الخاصة والتي يجب أن تكون ثابتة ولا نقاش عليها، وفي هذه النقطة وجب الرد وبحزم لتصحيح هذه النقطة، لأنّ قوة الشعب الكُردي تكمن في تواجده على أرضه وصموده والحفاظ على وجوده ولغته وكينونته وامتداده القومي على أرضه، وهذه نقطة وان لم تدخل في الحسابات الدولية للدول الكبرى، لكن بقاء واستمرار هذا الشعب هو من يفرض نفسه ولا ينتظر مدحاً أو تحديداً أو أي وصف من الممكن أن يطلق من أي طرف كان، وهذا الأمر تعيه واشنطن جيدا،ً وتؤمن به كامل الايمان، لأنّ تاريخ علاقتها مع الكُرد يثبت هذا الموضوع.
وبتفسير ما جاءت به تصريحات المبعوث الأمريكي، والمعطيات الجديدة بما حصل تحديداً في السويداء، لا أعتقد بأنّ هناك أي سبب لخيبة الأمل من قبل الجانب الكُردي، إلا أن وضع الكُرد في سوريا مازال منقوصاً، حيث لا يمكن لـ(قسد)، أن يتصدّر المشهد السياسي والعسكري لوحده، دود تواجد المجلس الوطني الكُردي وقوات بيشمركة روجافا، وإنّ هذا النقص في المشهد الكُردي من الممكن أن يكون سبباً في استقواء السلطة السياسية في دمشق، وسير التصريحات الامريكية على هوى هذه السلطة، هذه النقطة فقط من الممكن بل من الطبيعي أن تزرع شيئاً من الخوف في نفسية المواطن الكُردي، إلا أنها لا تصل الى مرحلة خيبة الأمل لأنّ الوجوه قابلة للتغيير، والصراعات الموجودة في سوريا هي أكبر بكثير من أن تهمل الولايات المتحدة كلّ هذه المشاكل لتنصرف الى صهر الكُرد و قوات سوريا الديمقراطية في إطار منظومة هشة غير مكتملة.
ولا داعي لمشاعر الاستفزاز والغضب من تصريحات الطرف المؤيد للسلطة، لأنّ من يتحدّث باسم هذه السلطة، هم مجموعة من المشاريع المؤقتة وسيتغيرون تباعاً بتغيير الظروف والأوضاع، لأنهم لن يجدوا غير الكُرد للاحتماء بهم عند حصول أي مكروه أو خطر أو تهديد في مناطقهم التي ستدمرها الصراعات المتوقعة، بوجود القنابل الموقوتة والتي بدأت تنفجر من الساحل السوري وصولاً إلى السويداء والجولان.
باختصار.. الفدرالية قرار يتخذه الشعب السوري، والامريكان سيتعاملون وبكل ذكاء مع تطورات الأوضاع، في ظل هشاشتها التي تهدد مستقبل هذه الدولة، والمساومات التي ستفرض على السلطة الحاكمة، والمنظومة الدفاعية، ومع كل تغيير، تكون القراءات السطحية، والقرارات السريعة والترضيات تكون دوماً سيدة الموقف، لكن الأهم من كلّ ذلك، من سيتصدّى وبعناده لمحاولات إقصاء وصهر الشعب الكُردي، وحرمانه من حقوقه؟
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “334”






