تعاظم الدور الروسي في الملف السوري وتكامله مع الموقف الأميركي

عبد الباسط سيدا

ما يُستشفُّ من الوقائع والمعطيات الميدانية التي تشهدها سوريا، إلى جانب الاتصالات والمباحثات السياسية الدولية والإقليمية، هو بلوغ الدور الروسي الذروة في ما يخص التأثير في تطورات وتفاعلات الوضع السوري، وتحولاته المتسارعة.

وهذا أمر لم يأتِ من الفراغ، ولم يكن حصيلة خداع كانت الولايات المتحدة الأميركية وحليفاتها الأقرب من ضحاياه، بل كان، وما زال، نتيجة تراكم مقدمات أدت إلى النتائج التي تتمظهر اليوم وقائع ملموسة على الأرض.

فمنذ اليوم الأول لتفاعل المجتمع الدولي مع الثورة السورية التي شملت معظم مناطق البلاد، وتجسّدت في مظاهرات سلمية مدنية، شارك فيها السوريون -لا سيما الشباب منهم- من مختلف المكوّنات؛ كان التوجيه بضرورة التحرّك نحو الروس ومحاولة إقناعهم برفع الغطاء عن نظام بشار الأسد.

غير أن الروس كانوا قد اتخذوا قرارهم بدعم النظام عسكريا وتغطيته سياسياً، وذلك عبر استخدام حق النقض ضد أي مشروع قرار يستهدف إدانة النظام المذكور في مجلس الأمن.

ولم نتلمّس في يوم ما وجود جهود أميركية أو أوروبية جادة لإقناع الروس، أو مواجهتهم، بخصوص الموضوع السوري. وإنما كان السعي باستمرار من أجل تكوين انطباع زائف بإمكانية إقناعهم عبر الحلول الوسطى، والوصول إلى توافقات من شأنها إحداث تغيير في موقفهم الثابت في تأييد النظام.

وجاء بيان جنيف 2012 الذي تضمن بذور استحالة تطبيقه في ذاته. وكان الاختلاف في التأويل بين الروس والأميركان. واستمر هذا الخلاف في المواقف المعلنة. ولكن في الميدان التطبيقي لاحظنا انزياحاً لافتاً في الموقف الأميركي نحو ما كان يطالب به الروس باستمرار. وربما كان للملف النووي الإيراني تأثيره في هذا المجال، فالرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كان قد صمّم على توقيع الاتفاقية الخاصة بالملف المعني، لذلك لم يكترث كما ينبغي بالوضع السوري، هذا ربما يكون أحد التفسيرات. لأن هناك من يقول إن العامل الإسرائيلي كان حاسما في الموضوع السوري، وهو الذي مكّن الروس من الاستفراد بهذا الموضوع بالتفاهم مع الأميركيين بطبيعة الحال.

وربما تكون هناك تفسيرات أخرى، قد تكشف الأيام القادمة عن حقيقة الأسباب التي أدّت إلى ما نحن فيه راهنا. ولكن الاستنتاج المنطقي المستند إلى دراسة الوقائع وتطوراتها، يمكّننا من القول إن التأثير الروسي القومي في سوريا ما كان له أن يكون لولا التفاهم مع الأميركان، والإسرائيليين بطبيعة الحال.

لقد أصرّ الروس على ضرورة تركيز الطاقات لمواجهة القوى الإرهابية، خاصة داعش الفزّاعة اللغز، من دون محاربة النظام، وذلك للإجهاز على كل الفصائل باسم محاربة الإرهاب وكان لهم ما أرادوه.

كما أنهم أصرّوا على إدخال مجموعات من “المعارضين” هم أقرب إلى النظام منهم إلى الثائرين عليه إلى وفد المعارضة، الذي كان من المفروض أن يفاوض النظام حول عملية الانتقال السياسي، وكان لهم ما أرادوه.

كما أن الروس قد أصرّوا منذ اليوم الأول على إفراغ مفاوضات جنيف من مضمونها، وتحويلها إلى مجرد مناظرات إعلامية، وساحة لتسجيل المواقف، انتظاراً لتحوّلات ميدانية لصالح النظام على الأرض، وكان لهم ما أرادوه.

ثم بدأوا بمسار أستانة، مستغلين الخلاف الأميركي التركي. وتمكّنوا من اختراق وبعثرة الفصائل العسكرية، ونجحوا في تفتيتها، ودفعها نحو تنازلات مستمرة قضت عليها تحت يافطة الاتفاق حول مناطق خفض التصعيد. وقد غطى ذلك على تقدم قوات النظام وحلفائه، وسيطرتها على المزيد من المناطق التي كانت تعتبر سابقا عصيّة على أي اقتحام.

هذا ما حصل في حلب، وتم في الغوطة، وجرى قبل أيام في الجنوب السوري. وربما نكون على موعد جديد أو فصل آخر، في إدلب وريف حماة الشمالي.

هناك انسحاب أميركي ظاهر من المشهد السوري. وهناك تصريحات تصدر من حين إلى آخر حول ضرورة العودة إلى جنيف. وهناك عدم رضا معلن عن مسار سوتشي تمثّل في التغيب عنه. ولكن ما يُلاحظ في الوقت ذاته هو وجود توافق روسي – أميركي على أعلى المستويات، الأمر الذي يؤكد الانطباع السائد وفحواه أن الروس يقومون بدور المتعهد لتنفيذ المتوافق عليه مع الأميركان والإسرائيليين.

أما إيران فهي تدرك طبيعة هذا التفاهم، وتعرف تماماً حدودها، وسقف المسموح به لها، ومع ذلك فهي تحاور وتناور، لعلها تتمكن من تحسين الشروط لصالحها ضمن حدود المستطاع.

ومنذ لقاء ترامب – بوتين الأخير في هلسنكي، والاتفاق على قمة جديدة في واشنطن، وربما واحدة أخرى في موسكو، يُلاحظ تسارع لافت في التحركات الروسية خاصة بعد الذي تم في الجنوب.

فالروس يحاولون أن يكوّنوا انطباعا لدى الرأي العام مفاده أن الأمور في سوريا هي في طريقها نحو الحل النهائي. إذ سيعود اللاجئون، وستكون هناك لجنة دستورية، وربما بعد حين لجنة أو هيئة للانتخابات. أما ملف المعتقلين فهو في طريقه للتمييع تمهيداً للتنصل منه، سواء من جهة الإعلان عن الأعداد الكبيرة من الذين قضوا نحبهم في المعتقلات نتيجة التعذيب والإعدامات، أو إطلاق مجموعات صغيرة في عملية الغرض منها إيهام الرأي العام بأن النظام قد رضخ للضغوط الدولية وأغلق هذا الملف.

وفي يومنا هذا هناك تحرك في اتجاهين: مع تركيا من جهة، ومع “قوات سوريا الديمقراطية” -التي يتحكم فيها فعلياً حزب العمال الكردستاني- من جهة أخرى.

فالروس يحاولون إقناع الأتراك بالمساعدة في موضوع إدلب وريف حماة الشمالي لصالح النظام. أما الأميركان فهم من جانبهم قد أعطوا الضوء الأخضر لواجهات حزب العمال -المدعومة من جانبهم- بالاتصال العلني مع النظام من أجل التفاهم حول عودة المناطق الخاضعة لها بصورة رسمية إلى النظام. هذا مع الإشارة إلى وجود النظام الفعلي والظاهر منذ البداية في العديد من المواقع. ومما لا شك فيه ضمن هذا السياق هو أن تركيا مرتاحة من هكذا حوار، ومن المرجح أن يكون هذا الموضوع متكاملاً مع موضوع إدلب.

وباعتبار أن حل الموضوع السوري وفق ما يروّج له الروس، يساهم في عودة اللاجئين، فإن أوروبا هي الأخرى ستكون مستعدة للتعامل الإيجابي مع ما يجري، لأنها ستتخلص من كابوس يهدد وحدتها وتوازن مجتمعاتها، لتتفرّغ بعض الشيء لقضاياها الداخلية، وربما لإعادة التفكير في مستقبل علاقاتها مع الولايات المتحدة من جهة، ومع كل من روسيا والصين من جهة أخرى، طالما أن حسابات المصالح هي التي تحدد الاستراتيجيات المرحلية وتلك البعيدة المدى.

المؤشرات جميعها تؤكد أن التوافق الدولي قد تم بصورة أولية حول الموضوع السوري. ولكن يبقى السؤال عن الموقف العربي، ومدى تأثره بما يجري، وحدود قدرته على التأثير في مسار الأحداث.

أما الشعب السوري الذي قدّم تضحيات جسيمة على مدار سبع سنوات، فقد تحوّل بكل أسف إلى مادة لمساومات وصفقات لا تعطي أي اعتبار لتطلعاته، ولا تقيم أي وزن لرغبته الصادقة المشروعة في تأمين مستقبل آمن واعد لأجياله المقبلة.

alarab

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عــن رأي Yekiti Media

قد يعجبك ايضا