جبرية عصفور وعقلية عرسان

وليد حاج عبدالقادر/دبي

أفرزت نضالات حركات الشعوب التحرّرية مع بدء انطلاقتها كمّاً هائلاً من المصطلحات وأخذت تتسرّب إلى مفاصلها بدقةٍ ، وما لبثت أن تحوّلت إلى استهدافٍ متقصّدٍ خاصةً بعد أن تشبّعت بنزعاتٍ بنيونيةٍ ، وبتوصيفاتٍ محمّلةٍ بجينات متعدّدةٍ مركّبةٍ ، لا كتعاريف أوخلاصات لنظرياتٍ مجرّدةٍ بل كخاماتٍ متشظّيةٍ تقاطعت وخلقت تماذجاً مشوّهاً بين التعريف والمصطلح كثقافةٍ من جهة ، وكحاملٍ لصفةٍ أيضاً – أية صفة – تشير أو تلمّح للمثقّف ؟ ولنعود من جديدٍ إلى ذات النتاجات الذهنية بخاصياتها التي – وكحالة طبيعية – انحازت وتأطّرت لتلتقي مع حاملي ذات الجينات المتطابقة ، والتي – ربّما – قد ترتمي – ارتمت في أحضان السلطة ، فتتجرّد من كلّ قناعاتها التي ستنكشف على أنها كانت مجرّد أقنعة مدوكرة ، ومع الانغماس في لذّة السلطة ومعها المكانة المكتسبة ، قابلها أيضاً بالتفريط المتدرْج تنازلاً في القناعات ، وتعليبها توضيباً إرشيفياً بعد تفريغها من جميع مفاصلها ، وكنتيجةٍ لذلك تضخّمت الأجسام وتكلّست القناعات ، والحلقات تفرّعت فيها إلى شلليات ، وذلك في تجاهلٍ لأبسط جزئيات القضايا التي ترهّلت أصلاً ، ومع الزمن تحوّلت إلى إرثٍ ثقيلٍ توجّب التخلص منها بالكامل . وهنا ! هل سيقرّ المصدومون بتلك الهالة النمطية التي انكشف عليها حامل ذلك التوصيف ؟ ، وأعني بذلك عبارة المثقّف ؟ وكمجموعةٍ ! هل سيقرّون بخطأهم ؟ وهنا ؟ أفلا يُستدلُّ من الأمر إذن بأنّ لا أحد منا يخلو من طوطميةٍ باطنيةّ بغريزةّ نرجسيةٍ ؟ وعليه ؟ كيف وبماذا تتجسّد هذه الطوطمية أصلاً ؟ وهل ستتأطّر قومياً وعلى جغرافية وطنٍ تحوّط في وعي الغالبية كحلمّ انتقل وفرض ذاته بالتوارث الجمعي ؟ أم ستجتزئ كما عملية فصلٍ لتوأمٍ سيامي ؟ فيتمّ فصل الشعب عن الوطن ؟! وكتواترٍ جدلي : على أية حقيقةٍ هنا يجب الارتهان ؟ ورغم كلّ الخيارات المتاحة ؟ هل يمكن التوافق مثلاً على قيمةٍ معياريةٍ ما ! كمقياسٍ للاستدلال على الحقيقة ؟! أسئلةٌ مركّبةِ كثيرةِ ستتوارد ؟ . إلا آنّ المصيبة ستظهر ككمونٍ ساكنٍ في جدلّ سفسطائي بعد اعتلاء قمة البرج العاجي ، ومن عليها يتمّ تأمّل أنماط الحيوات ويُنظر لها وبذات الذهنية الفوقية ، فيتعامل مع اسم – غرامشي – ككلمةٍ لا كإنسان ، وحتى لو أقرّ أحدهم بإنسانية غرامشي ؟ لكنه سيعلّل وبجهدٍ أفضلي لشخصه بأنّ المدعو غرامشي لم يتعمّق في أبعاد الوعي حتى يستعرض آفاقاً تثقيفيةً مزعومةً ، فيرتكز عليها طرابيشي ؟ ، ولندخل في دوّامة بعضٍ من جهابذة الوعي المخيالي على أنّ ( غرامشي وطرابيشي ) ما اشتغلا أصلاً في – على الوعي الثقافي ، وكذلك من قبلهما الكواكبي وإنْ غاص مصطفى حجازي من بعدهما عميقاً في سايكيولوجية غالبيتهم .

إنّ الهوّة الفظيعة بين الكتابة المنمّقة بفحواها ، كما هاجس تناقضاتها في الممارسة التطبيقية ، وتدرّجات انكشافاتها ، حتى إلى لحظات سقوطها كهالةٍ ، وما يلي ذلك بين الفينة والأخرى من مظاهر ندمٍ داخلي ! لكنها تبقى دائماً هي ذات الأقلام التي ارتضت – بعد أن تتلمذت أصلاً على يديه – أن تتقمّص ظاهرة علي عقلة عرسان و تستحضر ثقافياً مسلكية وزيره أحمد سلمان ؟ . وكان قد مضى وقت طويل حين استدركوا بأنهم كانوا يضخّون ضحالاتٍ تحت بند النضال الديمقراطي مع تقيات أخرى ، وانحصر هاجسهم الأهمّ فقط في ايجاد مبرّرات تشرعن آلية تحوّل رؤوس أقلامهم إلى فوهات بنادق ، وأوراقهم إلى محاضر تحقيق ، وأياديهم تتقن وسائل التقييد وكمّ الأفواه ، وايجاد – اختلاق آليات توصيف محاكة بقوةٍ في تعميم صفة التخوين وبعباءةٍ عبثيةٍ بمكياڤيلليةٍ عقديةٍ لا عقائدية ، وباختصارٍ ! إمّا أن تنسجم مع القطيع أو ستقمع ! وتذلّ لتخرس ؟! .
إنّ من أهمّ عوامل الجمود العقائدي هي متلازمة النخر الأيديولوجي الذاتي بنيوياً ، ومعها نرجسية الصواب الذاتي المطلقة ، والزعم بامتلاك كلّ الحقيقة ، والأهمّ هو صرف جهدٍ كبيرٍ من فائض القوة لترسيخ مفهوم عبثية وجود المختلف وفظائع أخطائه المتقصّدة ، وكأسبابٍ كافيةٍ تبرّر وتجيز فرض الحجر الكلّي على غالبية الرفاق ومؤيديهم ومؤازريهم ، وبالتدرّج في استنباط وسائل وأدوات الضغط الممارسة والتي قد تتّصل الى القتل أو الإخضاع ، ورغم كلّ ذلك ! لا يفوت المهجّن فرصة الاحتفاظ برصيدٍ من نقاطٍ احتياطية يستفيد منها ذات يومٍ حتى لو كان متّهماً بالخيانة .

إنّ من أبشع درجات السفاهة هو : حينما يلعب – مثقّفٌ – دور رجل أمنّ و يستميت أيضاً في قلب الحقائق ودعم الأخطاء فيقدّم المسوّغات ويسعى بكلّ قوةٍ لايجاد – صيغةٍ – يرمي بها كلّ فشل جماعته على المختلف ؟ . هذه القاعدة ستقودنا إلى أولى مقدّمات الاستبداد المتمثّلة بإعلان أحكام الطوارئ وتعليلها تحت بند كلّ شيءّ من أجل القضية ؟! وذلك لضبط المجتمع وسهولة اقتيادها ؟ ورغم كلّ ذلك ؟ . سيبقى هناك السؤال الأهمّ ؟ عن أية قضيةٍ أو معركةّ نتكلّم ؟. وإنْ وجدت معارك ! أفلا تستوجب السؤال ؟ لماذا نخوضها/ لهذه المعارك ؟! . وتبقى الغاية من كلّ هذه الاستفهامات وكأنموذجٍ كُردي : حالات التهرّب الصريح من الاستحقاق القومي وبذرائعياتّ تغلب عليها سفسطة جدلية تخلط وبتقصّدٍ بين التكتيك والاستراتيجيا ، في تقصّدٍ واضحٍ للعقول واستغبائها .

إنّ السعي الممنهج لترويج تهمة تخوين الآخر ، والعمل على إظهارها كمجموعة أفرادٍ فاقدة الحسّ والمسؤولية وإلصاق أبشع الصفات بها وفق ميكانيكية ما مارسته قوى الظلام في القرون الوسطى ، هذا الأمر له أكثر من دلائل على مدى تلبّك وضعف قناعة الجهة الممارِسة ومنظّريها بتصوّراتها كما والدفاع عنها . وعليه ، أن تقوم أية جهةٍ بتبرير فشلها وكلّ ممارساتها الخاطئة وتبني عليها تهماً ترميها على عواهنها ، فهي لن تخفي جملة المغالطات والصفقات المدمّرة لها مهما برع مصفّقوها – ثقافيا ! – في تبريرها ، إن كترويجٍ باهتٍ أو كتفسيرٍ لمراوحةٍ عقائديةٍ يقدّمونها كتقيةٍ على حساب القضية القومية ، ويبنون عليها سياسة التخوين الممنهج لتكثيف الضغوط من جهة وتطويق الأزمة البنيوية كواحدةٍ من إفرازات العقديات ، وكنتيجةٍ حتمية للفرط في قضايا كثيرة التي تفترض بدل الاستمرارية في تخوين الآخر !! القيام بمراجعةٍ نقديةٍ صريحةٍ و واضحةٍ ، ويفترض بها ألا تقف عند فرط قداسة الجغرافيات وتنتهي بالآيديولوجيات سيّما أولئك العابرين لفضاءات الشعوب والقوميات ، كما عند دعاة أخوة الشعوب والأمم الديمقراطية ، إلا إذا كانت تلك الشعارات بحدّ ذاتها بدعة متحوّلة .
إنّ المعادلات السياسية على أرض الواقع كما في أية مسرحيةٍ أو روايةٍ ، تتمظهر في خواتيمها التي تجرجر ذاتها فتتقاطع مصالحها وتتسارع لتخلق صراعاً بين الفئات المتلاحمة زعماً وبباطنيةٍ متناحرةٍ ، فينكشف حجم التابعيات المتفرّعة لمتناقضاتٍ عديدةٍ خاصةً حين الفرز و سعي كلّ فئةٍ / جماعة في البحث كما وتحديد المفيد كنتيجةٍ حتميةٍ تراها وكثمنٍ لما استثمرته في تلك المجموعات .
إنّ التلوْن الخاصوي وأساليب التمييع في اللعب بالتصريفات الحقوقية ، كانت هي في الأساس مقدّمات حقيقية لا بل وكعهدةّ عمرية متْفقة عليها ومنح على شاكلة صكّ ضمان يبرز حين الطلب ، ويغلّف بعباراتٍ باتت صعبة التمرير والتبرير في زمن المعلوماتية والوجبات السريعة ، لا بل ومعطّلة لسرعة ملاحقة الأحداث ، قد تكون في ذات الوقت سهلة التمرير عبر مرياعية متفنّنة ولقطيعية تعوّدت أن تكون عيونها دائماً مغمضة أو متّجهة إلى الأمام فقط . وكتوضيحٍ لما ذكرناه يمكن أن نستخلصها ببساطة عند قراءة واحدةٍ من أجمل روايات الكاتب الألباني اسماعيل كاداري / فجوة العار / والتي تتقاطع مع أشهر روايات القرن العشرين للكاتب جورج اورويل بعنوان ١٩٨٤ وكان قد كتبها عام ١٩٤٨ . هذه الروايات الفاضحة جداً لأنظمة الحكم الشمولية … / …. ومن ناحية ثانية صورة مؤلمة للكيفية التي تمحى بها أمة بكاملها عن خريطة العالم .. وهي كيفية تبدو هنا تدريجية الحدوث حيث يتمّ أولاً محو فكرة الثورة ضدّ المحتل من أذهان هذه الأمة ، ثم محو ثقافتها الوطنية بكلّ ما فيها من فنون وأفكار وأدب وعادات وصولاً إلى محو اللغة ومن بعدها الذاكرة الوطنية ككلٍّ ، فهل يذكّر هذا الكلام قارئ اليوم بشيءٍ أو بأمةٍ محدّدةٍ ٢ ؟! .
وكتكثيفّ للطوباوية التي يسعى مجندو عقديات الاستبداد وتابعية المراييع هي تلك الترنيمة بأهزوجتها الباهتة حينما يردّدون :
إنهم الرفاق .. نعم الرفاق ؟! .. أمعقول أن يخطئ الرفاق ؟! ..، لا لا مستحيل ؟! مستحيل أن يخطئ الرفاق ؟! بل هم الأعداء والخونة .. المتآمرون على الحزب ، والرفاق يخطؤون ويرتْبونها في وضعيةٍ ليثبتوا وكأنّ الرفاق هم مٌنْ أخطأووا ؟! كم أنتم جبناء وتستحقّون السحق وانتم تلصقون تهم الخطيئة بحقّ الرفاق !! .. الرفاق لا يخطؤون أيها المخطؤون ؟! .

١ – جبرية عصفور نسبة للكاتب المصري جابر عصفور الذي سقط في شرك السلطة كأنموذجّ قبل التوزير في آخر حكومة لحسني مبارك ، وعقلية عرسان نسبة للكاتب السوري البعثي الذي حوّل اتحاد الكتاب والأدباء السوريين لفترةٍ طويلة إلى ما يشبه فرعاً أمنياً ..
٢ – …. نقلاً جريدة الحياة العدد١٨٥٩١ صفحة ١٠ تاريخ ٢٧ / ٢ /٢٠١٤ .. ابراهيم العريس .

قد يعجبك ايضا