آراء

جيل وُلد بين الرصاص.. وكبر على صوت القصف

ناز حمي

تُبكيني مشاهد الطفولة المُجردة من الحقوق

أبكي كُلَّما ارتطمتُ بواقع طِفل ينهمرُ من مُقلتيه القهر على شكل دموع

وتسيلُ بِكُل همجية على خديه

 

تأسُرني مشاهِدُ الأنين التي تُنفث من ثغرِ صغيرٍ

أتعبهُ بُكاءُ الجوع العطش و البرد

 

ينفطرُ قلبي

كُلَّما رنَّ في أُذني صوت طِفلٍ يحلمُ بأشياء لا يجوز أن يحلم بها لأنها

أحد حُقوقه

 

لَيتني أستطيع أن أُخبئ الأطفال في جُعبتي

ريثما ينتهي الجبروت و الظلم ..

جيلٌ وُلد بين الرصاص… وكبر على صوت القصف

 

هناك جيلٌ لم يعرف الطفولة كما ينبغي لها أن تكون.

لم تكن ألعابُه دُمىً ملوّنة، بل بقايا بيوتٍ مهدّمة.

ولم تكن موسيقاه أغنياتٍ هادئة، بل صفّارات إنذارٍ ورجّة انفجارات.

 

هذا جيلٌ عاش الحرب لا كخبرٍ في نشرةٍ إخبارية، بل كهواءٍ يوميّ يتنفسه.

كبر قبل أوانه، وتعلّم معنى الخوف قبل أن يتعلّم جدول الضرب.

في ذاكرته صورُ نزوحٍ، وحقائبُ صغيرة حُشيت على عجل، ووداعاتٌ بلا عودة.

 

طفولةٌ مؤجلة

 

في الحروب، تُسرق الطفولة بصمت.

يُجبر الطفل على فهم مفرداتٍ لا تليق بعمره: قصف، حصار، تهجير، فقدان.

يستيقظ على البرد في خيمة، أو على انقطاع الكهرباء، أو على غياب أبٍ لم يعد.

 

الألعاب تصبح رفاهية،

والأمان يصبح حلمًا،

والبيت يتحول من حضنٍ دافئ إلى ذكرى.

 

هذا الجيل لم يُحرم من الرفاه فقط، بل من أبسط الحقوق:

حقّ الأمان،

حقّ التعليم المستقر،

حقّ أن يحلم دون خوف.

 

الدراسة… طريقٌ مليءٌ بالعوائق

 

الدراسة بالنسبة لهم لم تكن مقعدًا ثابتًا ودفترًا نظيفًا.

كانت مدرسةً مهدّمة، أو صفًا مكتظًا، أو عامًا دراسيًا مقطوعًا بالنزوح.

أحيانًا كان الكتاب يُستبدل بلقمة خبز،

وأحيانًا كان العمل ضرورةً تسبق الحلم بالشهادة.

 

كم من طالبٍ جلس يذاكر على ضوء شمعة،

أو على صوت المدافع،

أو بعد يوم عملٍ طويل يعيل به أسرته.

 

التعليم لم يكن مسارًا طبيعيًا، بل معركةً إضافية يخوضها الطفل في عمرٍ مبكر.

 

الحرمان… شعورٌ يومي

 

الحرمان في حياة هذا الجيل لم يكن استثناءً، بل قاعدة.

حرمانٌ من الاستقرار، من اللعب، من الضحك العفوي.

حرمانٌ من مستقبلٍ واضح المعالم.

 

كان السؤال الأكبر الذي يرافقهم:

إلى أين نمضي؟

هل سنبقى؟

هل سيكون لنا غدٌ أفضل؟

 

المستقبل بالنسبة لهم لم يكن مخططًا دراسيًا أو مهنيًا، بل علامة استفهامٍ كبيرة.

ضبابٌ كثيف لا يُرى خلفه شيء.

 

ورغم كل شيء…

 

ومع ذلك، لم ينكسر هذا الجيل بالكامل.

في عيونهم تعبٌ مبكر، نعم،

لكن في داخلهم أيضًا صلابةٌ نادرة.

 

تعلموا المسؤولية باكرًا،

وتعلموا الصبر قسرًا،

واكتسبوا نضجًا لا يُشبه أعمارهم.

 

بعضهم حوّل الألم إلى دافع،

وجعل من الدراسة طريقًا للنجاة،

ومن التجربة القاسية وقودًا للإصرار.

 

جيلٌ يستحق الحياة

هذا الجيل لا يحتاج شفقة، بل عدالة.

لا يحتاج كلمات تعاطف فقط، بل فرصًا حقيقية.

يستحق مدارس آمنة،

وبيوتًا مستقرة،

ومستقبلًا لا يُبنى على الركام.

 

جيلُ الحرب والحرمان ليس رقمًا في تقارير،

ولا صورةً عابرة في نشرات الأخبار.

إنه بشرٌ يحملون قلوبًا صغيرة أثقلها الواقع،

وأحلامًا بسيطة تأجلت طويلًا.

 

وربما، حين تنتهي الحروب يومًا،

سيكون هؤلاء هم الأقدر على بناء السلام

لأنهم أكثر من عرف ثمن فقدانه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى