آراء

حتى لا نكرّرالمأساة مواجهة مع ثقافة الدم

د. محمد حبش

تلتهب الساحة الثقافية اليوم بسلسلةٍ من الدعاوى القضائية التي أقامها محامون متحمّسون في مصر لتأديب بعض المفكرين الأحرار الذين يفكّرون خارج الصندوق، باعتبارهم مجدفين في الدين وأنّ عليهم أن يدفعوا ثمن تجرؤهم على التابو المقدس الذي يحرم الاقتراب منه.

ويستحقّ هؤلاء المفكرون أن يتضامن معهم كلّ حر، وغاية ما يحاكمون عليه أنهم رفضوا بشدةٍ روايات تاريخية أساسية في تعليمنا المدرسي، تعلّم الجريمة على أنها باب من الجهاد المشروع، وتدعو الجيل من جديد لتقديم نماذج جديدة من العنف تبرّر البطش بالمخالف وتستند في ذلك إلى رويات تاريخية نكرّرها دون أن نعي آثارها المدمّرة في التربية والسلوك.

وفي مثالٍ دقيق نشير إلى الروايات التي تتصل بحروب الردة التي خاضها الصحابة لأسباب مختلفة، ومع أنّ الصحابة انقسموا بشكلٍ واضح بين موافقٍ على الحرب كأبي بكر، ورافضٍ لها كعمر، ولكنها عادت بقدرة قادر تدرّس كما لو كانت سوراً من القرآن الكريم، يحرم نقدها أو معارضتها، ويجب التسليم بما وقع فيها دون الحاجة إلى أي تبرير أخلاقي.

ومن قصص الردة حادثة رهيبة تتصل بأم قرفة وهي امرأة معارضة اتهمت بالردة وتمّ قتلها بطريقة متوحّشة، بربطها بين بعيرين حتى شُقّت نصفين! وكذلك إقدام خالد بن الوليد على قتل مالك بن نويرة وطبخ رأسه وأكله، ثم التزوج من زوجته في نفس الليلة!

ولست أدري كيف يمكن أخلاقياً تعليم هذه الحكايات المتوحّشة على مقاعد التعليم من دون أن يكون للمعلم موقف من هذه الفواحش الفظيعة ينكرها ويرفضها مهما كانت أسانيدها.

أما داعش فقد رأت في هذه الروايات سنداً حقيقياً لما يجب فعله على الأرض من عنف وإرهاب بحق مَن تسوّل له نفسه نقد الإسلام في أصوله أو تاريخه حيث ينبغي التنكيل بهؤلاء وإرهابهم وإرعابهم بما يدفع شرهم عبر استخدام سائر أشكال الانتقام.

وفي سبيل تقرير هذا الموقف فإنهم يحملون من البداية شعار المصحف والسيف، ولا يجدون أيّ غضاضةٍ في القول بأنّ الإسلام انتشر بالجهاد، وأنّ الجهاد ليس رياضة سياحية مارسها الصحابة بل هو رؤوس تتطاير وأعناق تٌنحر ودماء تُراق منا ومن عدونا حتى يحكم الله…. ولا يعبؤون في شيء بدعاوى المستشرقين أنّ الإسلام انتشر بالسيف، بل يرفعون شعار: جئتكم بالذبح وأنا الذبّاح الرحيم!!

ومن المؤسف أنّ الذين رفضوا الروايات واعتبروها مسيئة للإسلام وللصحابة الكرام، يصبّون جام غضبهم فقط على مَن ينقل إلى الإعلام هذه الحكايا السوء، واعتبار مَن يرويها ناقداً مفترياً يريد تشويه الإسلام!، ولكن لم يقم واحد منهم بنقد الرواة الأوائل الذين دوّنوا هذه الروايات في كتبهم منذ اكثر من ألف عام ونشروها في كلّ مكان في الدنيا، ولا زالوا يطبعون هذه الكتب في الجامعات الاسلامية والمعاهد الشرعية ويعيدون إقراءها للناس، ولا حتى أولئك الذين يصعدون المنابر اليوم ويتغنّون ببطولاتٍ كهذه من قتل وطبخ وسبي وذبح على أنها من ضرورات المعركة الحاشدة ضد الكفر.

وفي الحقيقة فإنّ المواجهة مع هذه الروايات تحتاج إلى شجاعة وإخلاص، وقدرة على مواجهة نصوص تاريخية محاطة بالقداسة والتبجيل، فرواية قتل أم قرفة بهذا الشكل المريع وردت في معظم كتب السيرة النبوية، ابن كثير وابن هشام وابن اسحق وابن سعد، وتفاصيل خبر قتلها الأليم قد وردت تحديداً في الكتب التالية: السيرة الحلبية ومغازي الواقدي وعيون الأثر والكامل في التاريخ لابن الأثير، وقد أوردها ابن اسحق ونسبها إلى صحابي آخر هو قيس بن المسحر.

أما روايات قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويره واعتراض عمر بن الخطاب الشديد على ذلك موجودة أيضاً في معظم كتب السيرة ومنها السيرة النبوية لابن كثير والسيرة النبوية للذهبي والسيرة النبوية لابن حبان والاكتفاء للكلاعي الأندلسي والروض الانف للسهيلي والسيرة الحلبية لعلي بن برهان الحلبي، أما الروايات التي أشارت إلى أنّ خالداً قام بطبخ رأس مالك وأكل منه فهي أيضاً كثيرة ومنها: البداية والنهاية لابن كثير وتاريخ الإسلام للذهبي ومرآة الجنان لليافعي.
لا نجرؤ أن نلوم هؤلاء المؤرّخين والمحدثين القساة الذين نعصمهم عادة بعبارات من الإطراء والثناء والتقدير، ونعيد بالتالي تدوير المشكلة، ونجعل مجرد التفكير في انتقادهم نوعاً من التجديف بالشريعة.

وما لا أفهمه أبداً كيف يعتبرون النقل من هذه الكتب إلى الصحافة والإعلام إساءة وعدواناً على الإسلام، في حين أنّ رواية هذه المخازي والفظائع وتدوينها وتدريسها للطلبة لمئات السنين لا تثير فيهم أي اعتراض؟؟

والواقع أنّ مَن يروي أخباراً بهذه القسوة ثم لا يعلّق بحرفٍ واحد عليها إنما يعبّر عن قناعته بما فيها، وليس كما يظنّ البعض أنه قد أسند ومن أسند فقد أعذر… قد يقبل ذلك في المسائل الحيادية كما لو كان يروي في صلاة أو صيام أو مكارم أخلاق، ولكن هذا التبرير لا ينفع أبداً في القضايا الجدلية التي تشتمل على اتهام مباشر، ففي هذه الحالة لا بدّ أنّ الراوي مقتنعٌ بما يرويه وليس مجرد قمع قول يمارس الإسناد والرواية البلهاء.

نحن بحاجة إلى ثورة فكرية حقيقية تنسف بالأيقونات جميعاً…. وتعيد الاعتبار لقيم الإسلام العليا في الرحمة والسلام، والتكامل بين الأنبياء، ورفض كلّ خطاب كراهية ومواجهته في مصدره الأول دون خوف من التاريخ… لقد ارتكبوا انتصارات وهزائم، وفتوحاً وجرائم، ونجاحات ومظالم، وهم بشر من البشر تصدّروا المشهد الإنساني في مرحلةٍ من التاريخ، وحان الوقت أن نتعامل مع هذا التاريخ بواقع قول الله تعالى: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون.

المقالة منشورة في جريدة يكيتي العدد 296

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى