حزب العمال الكردستاني PKK   ما بين الكفاح المسلح والنضال الديمقراطي

فؤاد عليكو

من المعروف أنّ p k k تأسّس عام 1978 على مفاهيم ورؤية سياسية جديدة تختلف جذرياً عن رؤية الحركة الكُردية حينذاك، والتي كانت تطالب بالاعتراف بالحقوق القومية وبالحكم الذاتي كسقفٍ أعلى، في إطار الدول القائمة التي تقتسم كُردستان،

وتلخّصت رؤية p k k سياسياً في الانطلاق من مبدأ، أنّ كُردستان مقسمة بشكلٍ جائرٍ بين أربع دولٍ في المنطقة، وأنّ الحلّ يكمن في رفع شعار تحرير وتوحيد كُردستان في الأجزاء الاربعة، وأنّ الكفاح المسلّح هو السبيل الوحيد لإزالة هذه الحدود المصطنعة وفق اتفاقية سايكس بيكو 1917،كما أنّ القوى السياسية الكُردية في الأجزاء الأربعة (متواطئة مع القوى الاستعمارية )، لأنها لا ترفع شعار الاستقلال، لذلك أعطى الأولوية لمحاربتها وضربها بقسوة، لإنهاء دورها وتأثيرها السلبي- وفق منظور pkk – على المجتمع الكُردي، وبالفعل ما أن انتهى المؤتمر حتى بدأ pkk بتنفيذ قراراته على الأحزاب الكُردستانية، فكانت التصفيات اليومية لكوادر وقيادات الأحزاب في كُردستان تركيا دون استثناء أحدٍ حينذاك، إلى أن كان الانقلاب العسكري في تركيا 1980 وهروب معظم القيادات الكُردية إلى الخارج بمن فيهم قيادات p k k وكانت سوريا النقطة الأقرب والأسهل للخروج من تركيا وقد غادرت كافة القيادات الكُردية سوريا إلى أوروبا باستثناء p k k الذي قام بالتواصل مع النظام السوري والتفاهم معه، على دعمه لمحاربة تركيا مقابل تقديم كلّ التسهيلات والدعم اللوجستي لتحركهم ضمن الأراضي السورية، وتشجيع المواطنين الكُرد بالانضمام إليه، وتوفير الأرضية اللازمة لتدريباتهم العسكرية في لبنان، ثم في سوريا، وفي آب 1984 أعلن pkk رسميا إعلان الكفاح المسلح في كُردستان تركيا, وبدأت العمليات العسكرية عملياً، واستقطب هذا الشعار (استقلال كُردستان ) الشباب الكُرد في جميع أجزاء كُردستان، وكان التأثير كبيراً في كُردستان تركيا نتيجة الفراغ السياسي الحاصل فيه بعد انقلاب ايفيرين، وكذلك في سوريا نتيجة وجود قيادات p k k فيها ودعم وتوجيه النظام السوري له.

لكنّ الانقلاب الكبير الذي حصل في تفكير pkk واستراتجيته، كان بعد اتفاق النظام السوري مع تركيا في أضنة 1998 والذي بموجبه تمّ تسليم العديد من كوادر p k k إلى النظام التركي، وطرد بقية الكوادر وزعيم الحزب عبدالله اوجلان من سوريا واعتقاله في نيروبي 1999 .عندها بدأت المراجعات والتراجعات الفكرية والسياسية من قبل زعيم الحزب أثناء المحاكمة، ودخلت قيادات p k k في صراعٍ داخليٍ مريرٍ بين الاستمرار على نهج الحزب السابق و تغيير هذا النهج جذرياً ، و تمّ حسم الصراع لصالح النهج الجديد، بعد سلسلةٍ من التصفيات في هرم القيادة، إلى ان استقرَّ الأمر وبدأنا نسمع مصطلحاتٍ ومفاهيمَ جديدةٍ و غريبةٍ في القاموس السياسي المعروف كالمجتمع الايكولوجي الديمقراطي وأخوة الشعوب والأمة الديمقراطية وكونفدرالية شعوب الشرق الأوسط، و التأكيد على أنّ الحالة القومية قد تجاوزها الزمن، و طرح ضرورة العمل على تأسيس المجتمع الديمقراطي والادّعاء بأنّ تقسيم الدول، لايصبُّ في مصلحة شعوب المنطقة،أي بدأ يطرح نفسه كتيارٍ ديمقراطيٍ أمميٍ داخل كلّ دولةٍ، وانّ هدفه ليس السلطة، إنما التأسيس لمجتمعٍ دبمقرطيٍ منظّمٍ سياسياً، و بدأ pkk بتشكيل تنظيماتٍ سياسيةٍ تابعةٍ له، في كلٍّ من تركيا وسوريا والعراق وإيران، لتتفاعل مع الواقع السياسي في كلِّ دولةٍ وفق المناخات السياسية المتوفرة ،لكنّ خلف كلِّ جناحٍ سياسيٍ في كلّ دولةٍ جناح عسكري تابع مباشرةً ل p k k يقود العمل السياسي من خلف الستار وهو صاحب القرار النهائي ،وهذه مفارقة عجيبة في التعامل السياسي، حيث يتبع عادة الجناح العسكري للجناح السياسي بينما في منظومة p k k المعادلة مختلفة عما هو سائد عالمياً.

بالعودة إلى الواقع السياسي في تركيا، فقد استفاد الجناح السياسي كثيراً من توفير المناخ الديمقراطي السائد بعد عام 2000 واستطاع الوصول للبرلمان التركي بخطٍ بيانيٍ متصاعدٍ، حيث عبر HDP عتبة ال10% في انتخابات 2015 ووصل 81 نائباً إلى البرلمان التركي، مع الحصول على رئاسة بلدية 104 مدينة وبلدة، بينها 14 ولايةً ذات الغالبية الكُردية المطلقة، واستبشر الشعب خيراً بهذه النتائج الجيدة، بأنها ستكون مقدمة للمشاركة في الحكم، خاصةً حينما طلب رئيس حزب AKP داوود اوغلو من hdp الدخول مع حزبه في ائتلافٍ واحدٍ والمشاركة في الحكم،لكنَّ الصدمة كانت كبيرة للجماهير الكُردية حينما صدر توجيه من p k k برفض المشاركة، والوقوف في صف المعارضة التركية، لمنع تشكيل حكومة تحالف مع حزب العدالة والتنمية، وتساءل المواطنون لماذا ندلي بأصواتنا؟

ولماذا نذهب للبرلمان طالما لانريد المشاركة في الحكم؟

، ودفع HDP الضريبة في الانتخابات الاستثنائية، حيث حصل على 58 مقعد فقط وفي الانتخابات البلدية في نهاية آذار 2019‪ خسر رئاسة بلديات 7 ولايات كُردية لصالح الأحزاب التركية الأخرى، بالإضافة إلى ذلك يتمُّ بين فترةٍ وأخرى زجُّ الكوادر السياسية الكُردية المتقدمة والذين يحظون باحترام الشعب في السجون بتهمة الارتباط ب… ) p kk ليلى زانا-احمد ترك – صلاح الدين دمرتاش وغيرهم كثيرون). وبذلك تخسر الحركة السياسية كوادرها المتقدمة باستمرارٍ نتيجة سيطرة القرار العسكري على السياسي، وبالتالي يجب معالجة هذا التناقض الحاصل والذي يربك النضال السلمي الديمقراطي باستمرار ،وطالما الرؤية السياسية ل p k k قد تغيّرت كلياً وانحصرت مطالبها في توفير الديمقراطية وتعزيزها في تركيا، و عندما تمَّ الكفُّ عن المطالبة بالخصوصية القومية، لم يعد  الانخراط عملياً وبكلّ امكاناته في العملية الديمقراطية ، وستكون النتائج أفضل بكثيرٍ ممّا يمكن تحقيقه عسكرياً .

 

المقال نشر في جريدة يكيتي العدد 262 أيار 2019

قد يعجبك ايضا