حزب العمال الكُردستاني وشطب الآخر – سوريا وكُردها أنموذجاً

وليد حاج عبدالقادر – دبي

في دراسة وتتبع علاقة الحركة الكُردية في سوريا مع الأحزاب الكُردستانية وظروف تواجدها في مناطقنا عبر مكاتبها سابقاً، سنلاحظ بكلّ تأكيدٍ مدى التزام غالبيتهم بأخلاقية الضيافة على الرغم من علاقاتهم المميزة التي كانت مع أحزابنا، حيث لم يتدخّلوا في قضايانا، ولا سعوا لفرض إرادتهم علينا، أو التفكير نيابةً عنا في تقرير مصيرنا، في استلابٍ عملي وفعلي لإرادتنا، ولم يسعوا لتأسيس فروعٍ لهم كما وفرق تأديبية تضرب وتهدّد وتقتل وتخون ! مع أنه وفي عزّ سطوة الأمن وحكم حافظ أسد وابنه، كان لغالبية شبابنا طاقات نضالية نشطة، حيث أثبتوا أنهم بالفعل مشاريع شهادة حقيقية ولقضيةٍ قومية ! سوى مجموعة واحدة – وبكلْ أسفٍ – أخذت تتمدّد وتسلّطت ومارست عسفاً تحت أنظار أجهزة النظام وحمايته، وهنا، لست بصدد استعراض التاريخ بقدر ما هو الجواب على تساؤلٍ مهم: كم شهيدٍ قدّمناه من كُردنا لغاية 2004 لا بل وحتى الآن في ساحتهم؟ لا بل وأيضاً في ساحة كُردستان العراق؟ ولو أنها لا تمثّل واحداً من الألف، وبالرغم من أنْ الهدف هو ليس جردة حساب، ولكن الشيء بالشيء يُذكَر.

وعليه أفلا يحقّ لنا الاستغراب من مثل هكذا تصريحاتٍ نسبت لجميل بايق في جريدة الحياة اللندنية بصفحتها السادسة من عدد يوم ٢٣/ ١٠ / ٢٠١٣ حيث قال .. / .. العملية انتهت. إما أن يقبلوا بمفاوضات عميقة ذات معنى مع الحركة الكُردية وإما ستندلع حرب أهلية .. / .. وقال مضيفاً .. / يحقّ للشعب الكُردي نقل القتال إلى تركيا .. / .. واتبعه السيد مراد قره يلان الذي لُقْب بالجقمقدار من كثرة استخدامه لمصطلح (سنحرق تركيا إذا…) وللأسف كانت كلّ خطط تركيا تمشي الهوينا والنار برد وسلام عليها.. هذا الأمر الذي يدفعنا إلى ذات السؤال الكبير المتوجّب طرحه على قادة منظومة ب ك ك ومن خلالهم إلى ب ي د: قامة مثل القائد مصطفى البرزاني بعد اتفاق الجزائر عام ١٩٧٥ اعتكف العمل السياسي والعسكري.. وأنتم رغم كلّ انتكاساتكم، هل توارد في ذهنيتكم – مثلاً – مبدأ المحاسبة لا على قاعدة – شرعيتكم الثورية – بقدر ما هو جرأة النقد والنقد الذاتي؟ وكمثالٍ ناصع استهدافكم للانتخابات البرلمانية عام ٢٠١٥، والحرب (الشعبية!) التي أطاحت بأعرق مدن كُردستان وأحيائها القديمة (آمد وبوطان)، وبالمختصر: هل تساءلتم مثلاً – ما العمل؟ – أو ماذا انتم فاعلون؟ الملامح كانت واضحة وتؤشّر بأنكم ستمارسون ذات العقلية التي مارستموها في مدن كُردستان تركيا وإفراغها من ناسها، ولتضجّ بهم مدن العمق التركي، وتمّ الاستتراك الثقافي، لا بل وجرجرتموها إلى غالبية البقاع الكُردية، ولتتتالى الانكسارات، ومن جديد: كما في (كه ڤه ري وآمد وبوتان وغيرها) الأمر الذي تكرّر في عفرين ولتليها كري سبي وسري كانيي، وللأسف هناك بينكم مَن لا يزال يغرّد سيمفونيات الحجل المتحركة وهي تستعدّ لتقع ثانيةً في فخ الصيادين ! أفلا تدركون مطلقاً أهمية التوافق البيني؟

إنّ كلّ خطوةٍ ومهما كانت مرتبكة أو حتى مرعوبة بسبب عنجهية الطرف الآخر ! يفترض في المقابل الجرأة في كشف أوراق كلّ مَن أوصل الأمور إلى ما هي عليه الآن ! . وفي المحصلة علينا أن ندرك ما قاله الأولون ثورياً كبداهةٍ في ماهيات التراث والوعي: حينما تطيح الأدلجة بآفاق الوعي المنفتح وتقوقعه كالقمقم في بوتقةٍ أو نمطيةٍ واحدة سيبدو الأمر أكثر من طبيعي بأن تنخفض درجة الجمود الى ما تحت الصفر الحراري عمقاً وتفكيراً حراً ومبدعاً، وستصعب عليك مهما برعت في استخدام مبضع الجراحة أن تفصل بين نمطي التخوين أو التكفير لأنّ كليهما جزاؤه عند مستحضري التهمة هو القتل، ومع قناعتي التامة بعفونة بعض العقول المؤدلجة وسعيها الحثيث في العمل كرجاجٍ أو مهدّةٍ تدكّ في حصن التلاقي وعنوانها الأبرز دائماً هي تلك العقائدية الفجّة أمام حجم المهام الكبيرة والمطلوبة العمل فيها ، وعليه ! فإنْ لم نبادر كُردياً ! – وأركّز على كُردياً – فإنّ الكلمة هذه ستُرمى في قمقمٍ وبسيستم السيد آلدار خليل وسيُغلّف بالرصاص ويُرمى في عمق البحر السابع.. هذا السيستم وببؤسه المتكرّر (ابتدأه آلدار خليل ذاته على ضريح الشيخ الشهيد معشوق الخزنوي أظنه عام ٢٠١٢)، الأمر الذي يذكّرنا بمقولة لسارتر تتلخّص في المعنى التالي: إنّ الإنسان لا يمكن أن يكون حرّاً وعبداً في الوقت نفسه، فعليه الاختيار بين الحرية الدائمة.

وهذا الامر لن يكون سهلاً (كالواقع السوري مثلاً وتناقضات الفئويات ذاتها بينياً) كما أشار لها الكاتب ايلي عبدو في مقالٍ له بجريدة الحياة تحت عنوان / إسقاط ماقبل النظام / العدد 19 / 10 /2013 ص 10 … / .. أنّ مهمة المعارضة .. ﻻ تبدو سهلة فإسقاط ماقبل النظام يعني التعامل مع مسألة المركزية الدمشقية… إضافةً الى معضلة اﻷقليات ﻻسيما المسألة العلوية والتباين الكُردي – العربي عدا الصراعات المناطقية والقبلية هذه المسائل المعقّدة تتطلب عقلاً سياسياً مرناً ومنفتحاً على مختلف أنماط الحكم الفدرالية واللامركزية وليس عقلاً إيديولوجياً يتمسّك بوحدة سوريا من دون حلّ الخلافات بين مكوناتها إذ من الممكن أن نكون موحّدين جغرافياً ومنقسمين هوياتياً وطائفياً ….. وﻹيقاف هذه الدورة من ااستبداد وااستبداد المضاد ﻻبدّ من إسقاط ما قبل النظام لمنع وجود نظامٍ على شاكلته.

إنّ محاولة بعضهم الالتفاف المتعمّد على الواقع وطمس الأسباب ولو بهدر الدم: وكأنموذجٍ نري كيف أنّ ب ك ك ! لم ولن تقرّ بأيّ خطأ حتى ولو همساً! وكلنا سمعنا وقرأنا ما سبّبوه ! ناهيك (وهذا هو الأهم) تأسيسهم لطبقة كادرو واستجلابهم من خارج بيئتنا الكُردية في سوريا، والتي ما استطاعت أن تتجاوز حلقة الطوق والتحكم والتدخل بكلّ شيء وفي كلّ شيء، وخلق الذرائع وتراكمها ليستفيد منها ويستخدمها مجرمون وأعداء أزليون للكُرد والقضية الكُردية مثل اردوغان والأسد وخامنئي ! ..

فهل رفع صور السيد عبدالله أوجلان مثلاً في المظاهرات المعنية بالقضية الكُردية السورية في الداخل والخارج هو الأهم ؟ .. أما كان وسيبقى الأفضل أن تعاد تلك الأنشطة إلى ساحتها الطبيعية ؟ وهل أو ماذا سيقول الكُردستانيون في تجربة الكُرد في سوريا لو ساعدت الظروف جميل بايق والجقمقدار قريلان في استنساخها بكُردستان الشمالية ؟! . والسؤال الأهم كُردياً – برأيي – لماذا هناك خناجر مغرزة في الخواصر المشتركة ؟ وفي نقاط هامة على الحدود بين الأجزاء التي نسمّيها نحن بكُردستان قنديل ومخمور وسنجار وبعض من أهم نقاط الحدود الثلاثية ( ايران وتركيا والعراق ، والعراق وسوريا ) وخلوّها – مثلاً – بين الحدود – التركية والإيرانية – ؟

حقاً ما أتفه القيم المزعومة كما المبادئ الخُلّبية وهي تسعى في نهجها التبريري باحثةً عن منفذ أو مسرب كما المشجب ليسدل عليها شماعة الخطيئة الموازية للمجزرة أو المجازر المرتكبة ، وبالرغم من الخضات والإرتجاجات العنيفة التي رافقت مجازر الأيديولوجيات ـ القذرة ـ بدءاً من ستالين ومروراً بالثورات الثقافية إلى بول بوت والخمير الحمر ومروراً بفقهاء الظلام الإيرانيين وجرائم البعث بفريقيه والكثير مما حدث من الأهوال والتصفيات وحالات شبيهة بالإبادات الجماعية منها الإنسانية ومتلازمة القتل ، أو القمع الإبادي المعتقدي ، ولكن وبجملةٍ مختصرة لم ولن أجد أحطّ من ذلك المتلبّس درعاً فيبرّر للطغم المجرمة باسم الصراعات الجانبية / الهامشية والتي تُضخّم على حساب القضايا الأساس ، فتطفح نظريات على شاكلة نهج الممانعة والمقاومة ومواجهة الإمبريالية ، ولتختلط مع أسلحته الفتْاكة الدروب وتتوجّه السبطانات كما القتل والدمار صوب الشعب الذي من المفترض أنه يشكْل جماهير تلك الطغمة فيبيد ويدمّّر ومع هذا ! لن يخلو الأمر ، حيث سيخرج علينا أحد الحالمين عبثاً في ما وراء التاريخ ليشحذ الهمم فيعتبر ومن جديد بأنّ الصراع مع الإمبريالية إنما يبدأ من عمق الداخل ، والأدهى هنا هي التبريريّة ـ النّذلة ـ لبعض فتات الكتبة القزمين حتّى بعباراتهم فيوصفون كلْ النكبات على أنّها بفعل الضرورة التاريخية وبزعم ـ فلولا حكم اليعاقبة الدمويين في فرنسا وما مارسوه من بطشٍ لما أصبحت فرنسا رائدة الديمقراطية فيما بعد !! ـ .. ويتناسون بكلّ بساطةٍ عن أية ديمقراطية مشيدة يتكلّمون! ، وعلى أنقاض أية ديمقراطيةٍ سيعتلي اولئك المتاجرون ، فهل هو الدم الذي كما كان وسيكون في الحاضر والمستقبل وأشلاء من بقايا آدميّة البشر الذي سترفعون نخب بهلوانياتكم الفكرية الضحلة عليها ومن دمائهم ستملؤون كؤوس نخبكم أيتها النخب غير المباركة؟ ، فعلاً ما أقذر القتلة والأقذر منهم : أولئكم المبرْرين لهم وبنذالة.

وختاماً : إنّ اللعب مع الوقت تكتيكياً قد ينجع حيناً ولكنها تدمّر انْ لامست أو تموضعت على حساب القضايا الاستراتيجية لأنّ نجاعة الأمور هي في آفاقها المستقبلية .

تمت قراءتها 218 مرة

قد يعجبك ايضا