آراء

حقيقة انتماءات السوريين والانتماء الوطني الجامع

عبد الله كدو

الانتماءات القومية والدينية والمذهبية لمكونات المجتمع السوري تُعدّ من أكثر القضايا حساسيةً في التاريخ السياسي السوري الحديث ،فقد تراكمت سياسات إقصاء وتهميش وتمييز مكوّنات سورية منذ استقلال البلاد.

لقد اضطُهدت مكونات سورية بسبب انتماءاتها المختلفة، وفق درجة الخطورة التي كانت تشكّلها في مراحل معينة، ذلك من منظور السلطات المتعاقبة، فاضطُهد الكُرد وتعرّضوا لسياسات التعريب والتهجير وطمس لغتهم وثقافتهم بسبب انتمائهم القومي تحت حكم مختلف السلطات التسلطية المتعاقبة على دفة الحكم منذ استقلال البلاد، الأمر الذي لم يولِه الإعلان الدستوري الجديد اهتماماً ولم يغيّره، بالتالي فإنّ حرمان الشعب الكُردي من الحقوق القومية دستورياً مستمر، والقوانين الاستثنائية بحقه مازالت قائمة.

واضطُهد العرب السنّة منذ انقلاب حافظ الأسد، حيث تمّ تهميشهم بسبب انتمائهم المذهبي، كماةتعرّض المسيحيون للاضطهاد بسبب انتمائهم الديني ، واشترطت دساتير البلاد على أن يتبوّأ شخص مسلم منصب رئاسة الجمهورية، الأمر الذي تكرّر في الإعلان الدستوري الحالي.

أمّا الإيزيديون، فبالإضافة لما ذُكر عن المسيحيين وإضافةً لاضطهادهم بسبب كُرديتهم، تعرّضوا لاضطهادٍ من نوعٍ خاص، قوامه شبه فرض الأسلمة قسرياً بسبب ديانتهم غير الذّمّية ، من منظور الفقه الإسلامي المصدر للدساتير السورية، حيث كان الطلبة الإيزيديون يُجبَرون على حضور دروس التربية الإسلامية تحت طائلة الرسوب والفصل في حال رفضهم حضورها،  وهذا الأمر أيضاً لم يوقفه الإعلان الدستوري الجديد ، يُضاف إلى ذلك مختلف المظلوميّات التي أُلحقت بالقوميات السريانية الآشورية والتركمانية، وكذلك بالطوائف الإسلامية العلوية والدرزية والإسماعيلية والمرشدية على مرّ المراحل السابقة، بشكلٍ متدرج ووفق حسابات تلك السلطات، أما الطائفتان العلوية والدرزية فقد تعرّضتا مؤخراً لحوادث القتل الجماعي بسبب انتمائهم المذهبي في ظلّ إدارة الحكومة السورية الجديدة.

من الجدير بالذكر  أنّ نسبة السوريين الذين اضطُهدوا ولاحقتهم السلطات المتعاقبة بسبب وطنيّتهم السورية البحتة قليلةٌ جداً، وهُم أولئك الحقوقيون وغيرهم من السياسيين الوطنيين الديمقراطيين واليساريين الذين عارضوا التسلط تحت شعارات وطنية غير مقترنة بعناوين قومية أو دينية أو مذهبية.

لقد كانت تلك السلطات تستهدف الانتماءات الأقوامية الفرعية لتأجيجها وقطع الطريق أمام النضال الوطني الديمقراطي الذي يتطلّب ترسيخ الانتماء الوطني الجامع ؛  لإحداث التغيير على امتداد البلاد والبدء بمأسسة أجهزة الدولة والانطلاق في عملية التنمية المستدامة التي تُعَدّ الحوكمة الرشيدة من موجباتها الأولى.

وعليه، فإنّ عملية زرع الانتماء الجامع وتنميته – راهناً –  تحتاج إلى إقرار دستور وطني عصري، وتنفيذ حوكمة عادلة تُنَسّي السوريين جميع مظاهر التمييز القومي والديني والمذهبي والجنسي وغيرها. عندها فقط يمكن أن تترسّخ  الهوية الجامعة وتتحقّق الوحدة الوطنية المستندة على احترام التنوع القومي والمذهبي والثقافي.

حتى يترسّخ الانتماء الجامع يجب أن تتحقّق الدولة التي تديرها الأكثرية السياسية، لا الأكثرية الدينية أو القومية. فالحقيقة القائلة إنّ أكثرية الشعب السوري عربية مسلمة سنّية لا تعني البتة أنّ هناك جماعة معيّنة مثل الإخوان المسلمين أو هيئة تحرير الشام أو الجماعات الصوفية أو غيرها، يحقّ لها التغنّي بهذه الأكثرية واعتبارها رخصةً لاحتكار الحكم، فهذا التغني يجب مكافحته سريعاً، حيث لا يعني سوى بداية لشرعنة مُصادرة المبادرات والقناعات والحريات الفردية المعارِضة المشروعة والمتجهة نحو بناء الدولة الحيادية التي تقف على مسافةٍ واحدة من جميع المكونات.

وللتأكيد، فإنّ الأكثرية لا يحقّ لها التفرّد والتسلّط إزاء الحقوق المنصوص عليها في مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية التي تُحصّن الفرد الراغب في التمايز أمام استمرار جموح وطغيان النزعات ” الجماعاتية ” ومنها القبلية والمناطقية. وعلى هذا الأساس، فإنّ المسؤولين الموظفين في المكاتب والدوائر الحكومية للدولة السورية الجديدة، طوال مدة الدوام الرسمي، يجب أن يكونوا  محكومين – سلوكاً وممارسةً –  بالقانون السوري المدني الحيادي تجاه القومية والدين والقبيلة والمنطقة وغيرها ، وعلى المؤسسات الحكومية التعامل مع المواطنين كأفرادٍ يحقّ لهم المجاهرة بمعتقداتهم وآرائهم الخاصة المخالفة للآراء السائدة، طالما لا تتناقض مع روح  القانون ومقتضياته.

و هنا لا بدّ من التأكيد على عدم جواز إخفاء تبنّي قيم الدولة المدنية ومبادئها، وعدم تحويرها أو إدغامها في مصطلحاتٍ محلية موازية لا تحمل- بالضرورة – مؤدّى المصطلحات الدولية المُتفق عليها ، ذلك تحت مبررات من قبيل الأصالة والخصوصية ونحوهما .

فلا يجوز تأجيل  مبادئ وقيم أساسية مثل حقوق الإنسان والديمقراطية، وفصل السلطات:  التنفيذية المرتبطة بالوزارات المسؤولة أمام السلطة التشريعية المنوطة – قولا ًوفعلاً – بأعضاء البرلمان المنتخب حصراً، والسلطة القضائية المرتبطة بالقضاة والقانونيِين والمحامين، مع اعتماد الشفافية وحرية الإعلام، من دون أي مواربة أو لبس أو غموض، ذلك وفاءً وتنفيذاً للشعار الحكيم  ” الدين لله والوطن للجميع ”  الذي اعتمده البُناة الأوائل من الآباء، بعد الاستقلال.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “339”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى