حينما تصبح الأيديولوجيا ترفاً

Yekiti Media

وليد حاج عبد القادر / دبي

كان للفيلسوف أفلاطون (٤٢٨- ٣٤٧ ق . م) موقف واضح في السياسة حيث رأى فيها تجسيد للعدالة، وبنى عليها دراسة معيارية ومبادئ نظرية لحكم البشر، ومهّد الطريق أمام السلاطين لإنتاج سبل ووسائل السيطرة على الشعوب والحفاظ على السلطة … أما ميكياڤيلي / ١٤٦٩ – ١٥٢٧ م / فرأى أنه: من الأسلم للحاكم أن يكون مُهاباً من أن يكون محبوباً، فإذا نجح في أن يحفظ حياته وسلطته، فإنّ كلّ الوسائل التي استخدمها يحكم عليها بأنها مشرفة.. هذه المفردات ومنها الكثير إنْ في التطبيقات العملية أو تصورات أصبحت مدارس نظرية أطّرت لمذاهب أيديولوجية تحكّمت في المسار النضالي المجتمعي واختطّت حسب السيد خالد الحروب في مقال له بجريدة الحياة عدد ١٨٤٦١ تاريخ ٢٠ – ١٠ – ٢٠١٣ بعنوان (عواصف الواقع وانحناءات النص الطوباوي) حيث أكّد على /.. أنّ الأيديولوجية الإنسانية هي تلك المرتكزة على الحرية وتحرير الفرد من كلّ القيود ومدّه بالقوة والطاقة الاستعلائية على كلّ النظم المقيدة والأهمّ تمكينه بالنقد والنقد الشامل الذي يشمل أيضاً نقد الأيديولوجيا ذاتها التي عملت على تحريره. أما الأيديولوجيا الاستبدادية القمعية، فهي تلك التي قد تنطلق لأجل تحرير الإنسان وتقاتل في أول الأمر من أجل ذلك لكنها لا تلبث ان تخضعه لنظامٍ ثقافي تسلّطي فوقي بديل عن النظام الذي حرّرته منه. هي تستبدل تسلّطاً بآخر تحت راية التحرّر. لكنّ خطورتها ربّما تتجاوز خطورة النظام الذي ثارت عليه بكونها تشتغل تحت شعار الحرية وبكونها ذات برنامج فوقي / خلاصي فإنها لا تسمح لهذا الفرد المحرر والمتحرّر بأن يتحرّر منها أيضاً أو أن ينقدها، هي تشجّعه على نقد النظام الثقافي والسياسي والأيديولوجي المنقضي، بيد أنها ترفع ذاتها إلى مرتبة عليا، فوق النقد والناقدين، وتتحوّل إلى منظومةٍ مستبدّةٍ للأفراد الذين حرّرتهم / النازية، والستالينية والدين المستبد كأمثلة ناجزة في التاريخ الحديث … / . هذه النزعة الباطنية التي تصرّ أن تبقى محمّلة بموروث ماقبلها ، لا بل وتضيف عليها جرعات أقوى في آلية تقمّص نزعة الاستبداد ، فيجمّلها بإضافات شكلانية ، ولكن بعنفية أقوى من سابقتها كخبرة أضيفت من معاناة سابقة ، وهذه هي الأكثر استدلالاً في ممارسات بعض التوجّهات التي تتحوّل إلى جماعات ابتزاز نضالية ، وذلك بدراية منهم أم لا بمدى الانعكاس السلبي لحدية تفرّدهم بالخطاب المتحوّل من أيديولوحية وحدانية إلى استبداد غوغائي موسوم بتقية لا تقود إلى نفي الآخرين فحسب ، بل وبسعي حثيث لاستيلاد نسخة منقّحة ، وكماركة مسجلة لها ، وبامتيازٍ في استبداد أصبح مركّباً ، وهنا وكأمثلة حية ومقاربة لهذا التنظير ! وفي العودة إلى التجربة السورية بعد انطلاقة ما نسمّيه بالثورة السورية ، وفي تتبّعٍ لمآلات التحوّل البنيوي في مسارها المدني المسالم ، وفي انتقاء رئيس لأهمّ الشعارات التي رُفِعت وهتفت بها جموع الناس سواءً منهاالعامة التي تغنّت بالحرية والديمقراطية والمساواة و دولة المواطنة وو الخ ، والتي – هذه الشعارات – تحوّلت بقدرة قادر إلى ملفّاتٍ وضِعت في الخزائن وتأرشفت ، ومع ازدياد نزعة العسكرة والتسلّح وظهور إيالات وأمارات توشّحت كلّ منها برداء – راية ، وجميعها أصرّت أن تعطي أنموذجاً أبشع باتت تُفسَّر على أنها من رحم سلطة الاستبداد ، وأخذت تظهر شعارات وأهداف غريبة عن أفق ووعي الشارع السوري الذي عرف عنه طفرة ثقافية متنوّعة وإنْ كانت مقموعة ، فتداخلت التوجّهات الوطنية والقومية ، الليبرالية والدينية ، وتفرّعت غالبيتها أيضاً فرادى لتصبح كلّ واحدة منها منصة استولدت منصات ، وهذه الظاهرة – ربّما – أنتجتها ذات الأداة التي قدّمت نماذجها الأسوأ في إدارة المناطق التي خرجت من سيطرة النظام ، و .. أيضاً في تقديم الشكل المشوّه في البعد التنظيمي – السياسي للأحزاب بتشظياتها وهيكلياتها التي ازدادت تكاثراً وبشكلٍ وبائي وكنماذج : يمكننا استذكار الحركات التي هيمنت في الجنوب ومحيط دمشق وغوطتها ، وأيضاً حمص وبعض من ريف حماة وحلب وادلب ، رغم سعي الإخوان المسلمين كتنظيمٍ حاول البقاء وبدعمٍ تركي كبقعة ضوء وحيدة بالضدّ من رغبة غالبية الشعب السوري بمكوّناته المتعدّدة ، وكُردياً سنختزل بالتركيز على بديل النظام بعيد استلامه المنطقة وتعويمه للقضية القومية الكُردية وتتويهها في مخاضات أيديولوجية مبهمة ، لم ترتقِ مطلقاً حتى في شكلها المصطلحي عن طروحات النظم المتعاقبة على سوريا ، والآن ! وسوريا أمام تحوّلات مصيرية هامة ، كلّ ملامحها تشي بنوعٍ من الانفتاح العلماني ، وبعض من الآفاق الديمقراطية ، إضافةً الى أصوات أخذت تتعالى وتطرح مفاهيم متقدّمة لشكلٍ من أشكال دولة المواطنة بعنوان فيدرالي لها وانْ اختلفت الشروحات والمقاربات لهذا التوصيف ، وعليه ، وفي الجانب الكُردي ، فإنّ هذه المرحلة أشبه ما تكون بمرحلة تأسيس – تشكيل لدولة سوريا وبعقد تشاركي أيضاً جديد ، كلّ هذه الأمور تدفعنا لأن نتذكّر الأساسيات التي تهمّ شعبنا لا أحزابنا ، خاصةً حينما تظنّ الأيديولوجيا بأنّ اولوية الصراع يجب أن تكون بنيوياً ، ولكن لسوء التحليل أو التقدير فقد تتحوّل آلية الصراع إلى كوارث مدمّرة ، وعليه فإنّ الأولوية دائماً تكون للحقوق التي يُفترض بأنها ستهيء الأرضية للمتغيّرات المستقبلية . إنّ الصراع على أسس أيديولوجية وعلى قاعدة تناحرية، هي من أهمّ عوامل الهدم الذاتي من جهةٍ، والمؤدّية إلى فوضى، تتناقض بفظاعةٍ لمبدأ وحدة وصراع الأضداد، التي تدفع بعجلة التوافق المجتمعي واحترام أسس مبادئ الديمقراطية، ولنا في نماذج صراعات الشعوب البينية تجارب هامة، ففي أمريكا مثلاً، حينما انهزم السيناتور ستيڤن دوغلاس في الانتخابات أمام ابراهام لينكولن قال عبارته المشهورة: / آن الأوان للمشاعر الحزبية أن تنسحب أمام المشاعر الوطنية /.. وأيضاً أل غور حينما خسر امام بوش أضاف على جملة دوغلاس / هذه أمريكا، نحن نقدّم وطننا على الحزب وسنقف خلف رئيسنا الجديد / … وعليه! ألا يحقُّ لنا التساؤل: هل يوجد للشعب الكُردي قضية وطنية وقومية أم؟!

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي يكيتي ميديا

قد يعجبك ايضا