آراء

حين تنتهي الوظيفة… يُرمى الحليف

عاكف حسن

ليست المأساة في أن تتخلى الولايات المتحدة عن حلفائها، فذلك بات من أبجديات السياسة الدولية، بل المأساة الأعمق أن يتكرر المشهد بذات القسوة، وبذات الذرائع، وبالضحايا أنفسهم. الكرد، مرة أخرى، يقفون عند حافة الجغرافيا والتاريخ، يحدّقون في فراغٍ صنعته قوة عظمى قررت أن “الدور قد انتهى”.

حين قاتلت قوات سوريا الديمقراطية تنظيم الدولة الإسلامية جنبًا إلى جنب مع الجنود الأمريكيين، لم يكن ذلك تحالفًا بين ندّين، بل علاقة غير متكافئة بين قوة عظمى تبحث عن أداة محلية، وشعبٍ رأى في تلك الشراكة فرصة للبقاء، وربما للاعتراف. قدّم الكرد آلاف القتلى، وفتحوا مدنهم، ووقفوا في الخطوط الأولى دفاعًا عن العالم كله، لا عن بقعتهم وحدها. لكن العالم، كما يبدو، لا يتذكر طويلًا من يموتون بالنيابة عنه.

اليوم، حين يُقال إن “دور قسد انتهى”، فالمقصود ليس توصيفًا عسكريًا، بل حكمًا سياسيًا بالإعدام البطيء. انتهت المهمة، انتهت الحاجة، وانتهت معها لغة الشراكة. هكذا ببساطة. وكأن الدم الذي سُفك كان عقدًا مؤقتًا، لا يستحق الاستمرار بعد انقضاء مدته.

الولايات المتحدة لا تخون؛ هي فقط لا تعترف أصلًا بمفهوم الوفاء في السياسة. تحالفاتها أدوات، وأدواتها تُستبدل حين تبلى. في ميزان المصالح، لا وزن لقوة بلا دولة، ولا قيمة لشعب بلا اعتراف سيادي، خصوصًا إن تعارض وجوده مع مصالح حليفٍ أثقل، كتركيا. فأنقرة، مهما بلغت تناقضاتها، تبقى عضوًا في الناتو، دولة ذات جغرافيا حاسمة، بينما الكرد، في نظر واشنطن، ملف يمكن إغلاقه أو تسليمه.

أما تسليم مصير مناطق الكرد إلى تركيا أو إلى نظام دمشق، فهو ليس حلًا سياسيًا، بل تهرّب أخلاقي كامل. هو إقرار بأن الاستبداد مقبول، والعداء مشروع، طالما أن الفوضى لا تطال المصالح الأمريكية المباشرة. لا يهم شكل السلطة التي ستملأ الفراغ، بقدر ما يهم أن يُغلق الملف، ويُرفع العبء.

لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا ليست في واشنطن، بل في بنية النظام الدولي نفسه؛ نظام يسمح باستخدام شعوب كاملة كوقود لحروب الآخرين، ثم تركها تواجه مصيرها وحيدة. وفي الوقت ذاته، لا يمكن إعفاء الذات الكردية من السؤال الصعب: إلى متى سيبقى الرهان على الخارج دون بناء قوة سياسية موحدة، ودون تحصين المنجزات باعترافات وضمانات حقيقية؟

التاريخ الكردي الحديث سلسلة من الانتفاضات المؤجلة، والانتصارات غير المكتملة، والوعود التي تبخرت عند أول منعطف دولي. من 1975 إلى 1991، ومن عفرين إلى شرق الفرات، تتبدل الأسماء وتبقى القاعدة واحدة: عندما تتقاطع المطالب الكردية مع المصالح الكبرى، يُطلب من الكرد دائمًا أن يدفعوا الثمن.

ما يحدث اليوم ليس نهاية قسد فحسب، بل اختبار جديد للوعي السياسي الكردي، ولسؤال أعمق: كيف يمكن لشعبٍ بلا دولة أن يحمي نفسه في عالم لا يحترم إلا من يفرض وجوده؟

الجواب ليس سهلًا، لكنه يبدأ بالاعتراف بالحقيقة القاسية:

في السياسة الدولية، لا يكفي أن تكون محقًا، ولا أن تكون شجاعًا، ولا أن تكون ضحية.

إما أن تكون ضرورة… أو تُترك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى