حين يصبح الصمت شريكاً في الظلم… سري كانيه امتحان للجميع
برزان علي
تُنسب إلى ألبرت أينشتاين عبارة تقول: «العالم مكان خطر للعيش، ليس بسبب الأشرار فقط، بل بسبب الذين يرون الشر ولا يفعلون شيئاً لمواجهته».
قد لا يكون هناك توثيق قاطع يثبت أن أينشتاين قال هذه العبارة بهذه الصيغة، لكن الحقيقة التي تحملها لا تحتاج إلى توقيع أحد كي تكون صحيحة.
فالظلم لا يستمد قوته دائماً من قوة الظالم، بل كثيراً ما يستمدها من صمت الذين يرونه ويملكون القدرة على الاعتراض عليه ثم يختارون الصمت.
وما يجري اليوم مع أهالي سري كانيه/رأس العين يضعنا جميعاً أمام هذه الحقيقة.
منذ عام 2019 يعيش آلاف أبناء المنطقة بعيداً عن بيوتهم وأراضيهم. سنوات من النزوح والانتظار والأمل بالعودة. وعندما بدأت عائلات بالعودة إلى مدينتها وبيوتها، لم تكن تطالب بامتياز سياسي أو حزبي، بل بأبسط حق يمكن أن يطالب به إنسان:
أن يعود إلى بيته.
لكن بعض العائدين وجدوا أنفسهم أمام واقع آخر، وتعرضت عائلات وممتلكات وسيارات لاعتداءات، وكأن سبع سنوات من التهجير لم تكن كافية.
لكن ما يؤلم أكثر هو السؤال: أين الصوت الكردي؟
أين الأحزاب الكردية التي تتحدث باسم هذا الشعب؟
وأين المجلس الوطني الكردي تحديداً، الذي حمل طوال سنوات قضية المهجرين من سري كانيه وعفرين في خطابه السياسي؟
إذا لم يتحول هذا الخطاب اليوم إلى موقف سياسي واضح وتحرك عملي عندما يحاول الناس العودة إلى بيوتهم، فما قيمة الشعارات والبيانات والمؤتمرات؟
المطلوب من المجلس الوطني الكردي ومن جميع الأحزاب الكردية ألا تكتفي ببيان عابر أو موقف خجول، بل أن تجعل عودة المهجرين واستعادة ممتلكاتهم وحمايتهم قضية سياسية أساسية لا تخضع للمساومة.
والمسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها.
إلى كل قائد وكادر ومقاتل كردي كان ضمن قوات سوريا الديمقراطية وأصبح اليوم، بعد التحولات والاتفاقات الجديدة، جزءاً من المؤسسات العسكرية السورية: أنتم أيضاً أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية.
السلاح والرتبة والموقع لا تكون لها قيمة إذا لم تساعد في حماية حق الإنسان في العودة إلى بيته. المطلوب ليس استخدام السلاح ضد أحد، بل أن يكون وجودكم داخل مؤسسات الدولة ضمانة لعدم الاعتداء على المدنيين، وأن ترفعوا أصواتكم عبر المؤسسات التي أصبحتم جزءاً منها من أجل حماية العائدين وحقوقهم.
وكذلك نتوجه إلى النواب الكرد الموجودين في البرلمان السوري: وجودكم تحت قبة البرلمان ليس مجرد مقعد أو صفة رسمية. أنتم أمام امتحان حقيقي.
ارفعوا قضية سري كانيه داخل البرلمان.
اسألوا الحكومة علناً: كيف سيعود المهجرون؟ من سيضمن أمنهم؟ كيف ستعاد البيوت والأراضي إلى أصحابها؟ ومن سيحاسب من يعتدي على العائدين؟
فالبرلماني الذي لا يتكلم عندما تُنتهك حقوق الناس الذين يفترض أنه يمثلهم، ماذا تعني عضويته في البرلمان؟
ونقول الشيء نفسه للمثقفين والإعلاميين والكتاب والفعاليات الاجتماعية والكرد الموجودين في مؤسسات الدولة:
الصمت ليس موقفاً محايداً عندما يكون الإنسان ممنوعاً من العودة إلى بيته.
وفي الوقت نفسه، يجب أن نقول بوضوح: هذه ليست دعوة ضد العرب، ولا يجوز تحويل قضية سري كانيه إلى مواجهة كردية–عربية.
هناك عرب سوريون أيضاً هُجّروا وفقدوا بيوتهم وعانوا من الحرب، وحقوقهم يجب أن تُصان كما حقوق الكرد تماماً.
المبدأ الذي ندافع عنه بسيط:
البيت لصاحبه، والأرض لصاحبها، والمهجّر له الحق في العودة، أياً كانت قوميته أو دينه أو انتماؤه السياسي.
ولهذا فإن حماية عودة الكرد إلى سري كانيه ليست قضية قومية ضيقة، بل قضية عدالة وحقوق ومواطنة. والدولة التي نريد بناءها في سوريا يجب ألا تسمح بأن يصبح الاستيلاء على ممتلكات المهجرين أمراً واقعاً تفرضه سنوات الحرب.
اليوم سري كانيه ليست امتحاناً لأهلها فقط.
إنها امتحان للأحزاب الكردية، وللمجلس الوطني الكردي، وللكرد القادمين من قسد والمنخرطين في المؤسسات العسكرية السورية، وللنواب الكرد في البرلمان، وللمثقفين والإعلاميين، ولكل من يقول إنه يتحمل مسؤولية تجاه شعبه.
فالسياسة ليست بيانات واجتماعات ومناصب فقط.. السياسة مسؤولية عندما يتعرض الناس للظلم.
وتمثيل الشعب ليس مقعداً في حزب أو برلمان أو مؤسسة عسكرية، بل موقف يُتخذ عندما يحتاج الناس إلى من يقف إلى جانب حقوقهم.
اليوم يحتاج أهالي سري كانيه إلى موقف كردي موحد وسلمي وقانوني يطالب الدولة السورية والجهات المعنية بضمان العودة الآمنة والكريمة، وإعادة الممتلكات إلى أصحابها، وحماية العائدين، والتحقيق في الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد سنوات التهجير ليس أن يُظلم الناس مرة أخرى فحسب، بل أن يتحول الظلم إلى أمر واقع بسبب صمت الآخرين.
ومن هنا نقول للجميع: اختلفوا في السياسة كما تشاؤون، وتنافسوا على البرامج والمواقف كما تشاؤون، لكن عندما يُمنع إنسان من العودة إلى بيته، يجب أن تنتهي الحسابات الحزبية ويبدأ الواجب الوطني.
سري كانيه اليوم تسأل الجميع: عندما عاد أهلها إلى أبواب بيوتهم، أين كنتم؟
والتاريخ لن يسجل فقط أسماء الذين ارتكبوا الظلم، بل سيتذكر أيضاً من رأى الظلم، وكان يستطيع أن يتكلم، ثم اختار الصمت.






