
حين يصبح الصمت موقفًا: رسالة إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان
عاكف حسن
سمو ولي العهد في المملكة العربية السعودية، الأمير محمد بن سلمان، حين يختار صاحب القرار في دولةٍ بحجم السعودية الصمت في لحظةٍ تتكثّف فيها المظالم، لا يعود الصمت مجرّد خيارٍ سياسي، بل يتحوّل إلى علامةٍ فارقة تُقرأ بعمق ما يمثّله الاسم والموقع والثقل. فالكلمة حين تصدر منكم لا تُقاس بعدد حروفها، بل بوزنها التاريخي، كما أن غيابها لا يُفسَّر فراغًا، بل يُؤوَّل موقفًا.
لقد اعتقد كثيرون أن عهدكم سيكون عهد إعادة تعريف الاستقرار على أساس العدالة، لا على حسابها. وأن السعودية في ظل قيادتكم ستنظر إلى قضايا المنطقة من زاوية إنصاف المكوّنات لا تذويبها، وحماية الحقوق لا تأجيلها. لذلك يبدو الصمت حيال ما يتعرض له الشعب الكردي في شمال سوريا صادمًا، لأنه يتناقض مع صورة الدولة التي يُنتظر منها أن تكون ميزانًا لا طرفًا، وضامنًا لا شاهدًا صامتًا.
سمو الأمير، إن الاستقرار الذي يُبنى بتجاهل المظالم ليس استقرارًا، بل تأجيلٌ للأزمة بصيغةٍ أكثر قسوة. وسوريا التي يُرفع شعار وحدتها لا يمكن أن تستقيم وحدتها بإقصاء أحد مكوّناتها الأصيلة، ولا بتحويل الحقوق إلى ملفٍ مؤجَّل بحجة السيادة أو التوازنات الإقليمية. فالوحدة التي لا تتّسع للجميع، ليست وحدة، بل هشاشة مغطّاة بالشعارات.
الشعب الكردي في سوريا ليس طارئًا على التاريخ ولا عبئًا على الجغرافيا، ولم يكن يومًا مشروع تفكيك أو تهديد للدولة، بل كان في أحلك مراحل الصراع سدًّا في وجه الفوضى والتطرف. ومع ذلك، يبدو اليوم وكأن معاناته تُدار بالصمت، وكأن حقوقه تُختزل في خطابٍ إعلامي يُفرغها من معناها، ويضع العدل في مرتبةٍ ثانوية خلف حسابات اللحظة.
وما يبعث على القلق أن هذا الصمت يتقاطع مع اصطفافاتٍ إقليمية تُبرَّر باسم الاستقرار، بينما هي في جوهرها تعيد إنتاج الظلم بصيغٍ جديدة. وهنا، سمو الأمير، لا يعود الحذر السياسي فضيلة، بل يتحوّل إلى انحيازٍ غير معلن، ويغدو الصمت شريكًا في إعادة تعريف الحق وفق موازين القوة لا وفق المبادئ.
إن التاريخ، حين يصل إلى هذه اللحظات، لا يُحاكم النوايا، ولا يُصغي للتبريرات. هو لا يكتب ما أردنا قوله، بل ما قُلناه فعلًا، أو ما امتنعنا عن قوله حين كان للقول معنى. وفي سجلاته، الصمت ليس هامشًا، بل فصلٌ كامل يُقرأ لاحقًا على ضوء نتائجه، مهما طال الزمن.
لسنا نطالبكم، سمو ولي العهد، بانحيازٍ ضد أحد، ولا بخصومةٍ مع دولة، بل بموقفٍ ينسجم مع وزنكم ومع ما تمثّله السعودية في الوعي العربي والإسلامي: أن يكون العدل بوصلة الاستقرار، لا ضحيته. إن إنصاف الشعب الكردي اليوم ليس تهديدًا لسوريا، بل شرطًا من شروط نجاتها، وليس كسرًا للتوازن، بل تصحيحًا له.
لا تزال الكلمة ممكنة، ولا يزال للتوقيت معنى، ولا يزال للتاريخ بابٌ لم يُغلق بعد. فقول الحق في لحظةٍ صعبة لا يُضعف القادة، بل يضعهم في موقعهم الصحيح من الزمن. أما الصمت… فله طريقته الخاصة في العودة، حين ينطق التاريخ بما لا تشتهي السفن.






