آراء

’’داعش‘‘ كمصلحة روسيّة.. وأوباما خادماً لبوتين!

هوشنك أوسي
فور إعلان الإدارة الأمريكيّة نيّتها توجيه ضربات جويّة لتنظيم “داعش” الإرهابي داخل الأراضي السوريّة، تبخّر كل الكلام عن السيادة الوطنيّة الذي كان يثيره النظام السوري، طيلة الأعوام الماضيّة، ورفضه التدخّل الخارجي، واتهامه المعارضة
بأنها عميلة الأجنبي، وربيبة المشروع الصهيوأمريكي، وتريد المجيء للحكم على الدبابة الأمريكيّة…!، حيث أعلنت حكومة نظام الأسد، يوم 25/8/2014، وعلى لسان وزير خارجيّتها وليد المعلم، موافقة النظام السوري على التنسيق مع واشنطن ولندن، بخصوص مكافحة الإرهاب، وتوجيه ضربات لتنظيم “داعش” الإرهابي داخل الأراضي السوريّة!. 
وليس هنا مكمن افتضاح كذب البطانة القوميّة والوطنيّة التي كان يتشدق بها نظام الأسد الابن، باستنجاده الروس والإيرانيين وكل الميليشيّات الطائفيّة الشيعيّة لنجدته والقتال معه، في انتهاك صارخ لمبدأ وشعارات السيادة الوطنيّة. لكن السؤال هنا: لماذا لم يطلب نظام الأسد، حتّى الآن، بشكل رسمي من حليفه الروسي، ضرب “داعش” بالطيران والصواريخ الروسيّة الصنع، بخاصّة أن موسكو تمتلك قاعدة بحريّة عسكريّة في طرطوس، وهي مجهّزة بأحدث التقنيّات والاسلحة الروسيّة؟! بالإضافة إلى وجود البوارج والقطع العسكريّة الروسيّة، قبالة الساحل السوري، مع وجود العديد من أقمار التجسس الاصطناعيّة الروسيّة، تجوب فضاء المنطقة؟!. ومن جهة أخرى، إذا طلب النظام من موسكو هذا الصنيع، هل ستلبّيه؟!.
الحال أن منذ اندلاع الثورة السوريّة منتصف آذار 2011، والجبهة الروسيّة وصراعها مع الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة في منطقة القوقاز (الشيشان، أنغوشيا، داغستان..) خامدة تماماً!. حتى أن العمليات العسكريّة التي كان يقوم بها الانفصاليون الشيشان في روسيا الاتحاديّة، أو ضد المصالح الروسيّة في جمهوريّات الاتحاد السوفياتي السابق، هي أيضاً، شبه متوقّفة!.
ويبدو أن الجهاديين المتطرّفين القفقاسيين، قد ركّزوا جهدهم ضمن “النصرة” و”داعش”، ونسوا روسيا. كما أنهم لم يوجّهوا أية ضربات انتقاميّة لروسيا ومصالحها، عقاباً لها على تورّطها في الدم السوري طيلة هذه السنوات الأربع، بدعمها نظام الأسد!؟. وعليه استمرار الحرب في سورية، وبقاء “داعش” على رأس مهامها التكفيريّة – التدميريّة، وإعلانها “دولة خلافتها”، واستقطاب هذه “الدولة” المتطرفيّن الانفصاليين من الشيشان، ومن جميع شعوب القفقاس، وبقاء سورية والعراق محرقة لهؤلاء المتطرّفين، يمكن اعتباره مصلحة روسيّة كبرى، لم تكن موسكو لتحلم بذلك، قبل 15/3/2011!. كما أن دخول أمريكا على خط المواجهة مؤخّراً، وإلهاء واشنطن بالحرب على “داعش” وتجاهلها دعم المعارضة السياسيّة والعسكريّة للنظام السوري، هي أيضاً مصلحة روسيّة كبرى!.
حتى الآن، أو هكذا يبدو لي، أن استراتيجيّة النظام السوري في التعامل مع واشنطن، ناحجة، مئة بالمئة. فمنذ سقوط نظام صدام حسين سنة 2003، والنظام السوري كان يحتضن ويدعم ويغذّي التكفيريين، ويقدم لهم كل التسهيلات للمرور إلى العراق، وإشغال الجيش الامريكي واستنزافه هناك. والخسائر التي منيت بها إدارة جورج دبليو بوش، عسكريّاً، بشريّاً وماديّاً، هي التي سهّلت مجيء الديمقراطيين للحكم، ووجود إدارة رخوة وجبانة ومترددة برئاسة أوباما في البيت الأبيض. ما يعني أن بشار الأسد، بشكل غير مباشر، ضالع في وجود أوباما على رأس هرم قيادة أقوى دولة في العالم!.
الآن أيضاً، يسعى النظام السوري، وعبر انفلات عقال “داعش” من يده، إلى تكرار نفس سيناريو سنوات 2003 ولغاية 2011، تاريخ انسحاب آخر جندي أمريكي من العراق، بموجب الاتفاق المبرم بين بغداد وواشنطن. بحيث يسعى محور موسكو – دمشق – طهران إلى إشغال الإدارة الأمريكيّة بعميلة إسقاط “داعش” بدلاً من إسقاط نظام الأسد. وهو ما كان يمكن للإدارة الأمريكيّة أن توفّره على نفسها وعلى الشعب السوري والمنطقة عموماً، لو أنها تدخّلت بشكل سريع وعاجل، مع بداية الأزمة السوريّة، لما كانت “داعش” قد انتعشت وانتشرت في سورية والعراق، ولا كانت الضربات الجويّة الأمريكيّة في العراق، ولاحقاً في سورية. 
وبالتالي، الارتباك والقلق والتردد الذي تعيشه إدارة أوباما، هي مصلحة روسيّة كبرى، وموسكو لا تقبض الثمن في سورية وحسب، وبل في أوكرانيا والقوقاز أيضاً. ولم ولن تنفع العقوبات الأمريكيّة على ثني روسيا عن موقفها الداعم لنظام الأسد، لاعتبارات اقتصاديّة وسياسيّة كثيرة، يطول شرحها في هذا المقال. وبالتالي، حتى الآن، لم تشكل “داعش” خطراً حقيقيّاً وجديّاً على روسيا. بدليل، أن عصابات “داعش” لم توجّه حتى الآن، أي خطاب تهديدي ووعيدي واضح ومباشر إلى موسكو أو بكين أو طهران، على دعمها لنظام الأسد!، ولم تقم باختطاف و”ذبح” أي صحافي أو مواطن أو خبير عسكري روسي، يعمل مع جيش الأسد!. ولو كان الأمر خلاف ذلك، هددت “داعش” مصالح روسيا وأمنها واستقرارها، لتدخّلت موسكو فوراً، وقصفت “داعش” بشكل وحشي، لا يمكن تصوّره. 
وعليه، أثبتت إدارة بوتين – مدفيتيف، على طول الأزمة السوريّة بأنها الأقوى، وأنها الرابحة، على حساب هشاشة وارتباك وخسارة إدارة أوباما. فالأخيرة الآن، تقصف بالسلاح الأمريكي، السلاح الأمريكي الذي منحته للجيش العراقي، ورفضت منحه للمعارضة السوريّة، بحجّة أن هذا السلاح، سيصل إلى أيدي المتطرّفين!. ما يعني أن أمريكا، وبفضل “عبقريّة” إدارة أوباما، تقصف الآن أمريكا، خارج الأراضي الأمريكيّة!. وماذا تريد روسيا أفضل من هذا الوضع الكوميد-تراجيدي الأمريكي؟!.
قصارى القول: لقد أتلفت إدارة أوباما، خلال ثلاث سنوات خلت، كل ما صنعته إدارة بوش الأب والابن لأمريكا في الشرق الأوسط والعالم. وأمريكا التي كانت تدعم الجهاديين في افغانستان ضد موسكو الشيوعيّة، الآن، وعبر إدارة أوباما، تعيد موسكو الرأسماليّة – البوتينيّة إلى واجهة القرار الدولي، وبل جعل من واشنطن تخدم مصالح روسيا، من حيث لا تحتسب.
ويبدو أن أمريكا سيلزمها مئة زعيم كبوش، حتّى يرمم ما أتلفته أوباما، بوصفه أفشل رئيس أمريكي قدّمه الحزب الديمقراطي، منذ تأسيسه سنة 1792.
اخبار الآن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى