
دولة كردستان قادمة
آناهيتا حمو… باريس
حدثٌ مدويّ في الإعلام الفرنسي والكردي وتساؤلات مثيرة للجدل وللتضامن مع القضية الكُردية؟ تتوضح الرؤية الكُردية هل باتت الدولة الكُردية معترفة دولياً؟
تعيدنا إلى كتبه باللغة الفرنسية حول روجافا كوردستان في ظل الانتداب الفرنسي، المؤرشفة في المكتبات الفرنسية الباريسية العريقة، فالكاتب الفرنسي بيير روندو وكتبه الجمة عن الشعب الكُردي، لغته، ثقافته، حدوده الجغرافية التاريخية.ولعل ما يثير الجدل الواسع في أبحاثه غيرته لتوحيد اللهجات الكُردية في بوتقة لغة واحدة وهو ما يسعى إليه المثقف الحقيقي ويتم تهميش مطلبه نتساءل لماذا؟
اليوم وفي العاصمة الفرنسية، وصدى الإعتراف بدولة فلسطينية يعيد للذاكرة إلى تاريخ الشعوب في الشرق الأوسط هل ستعترف فرنسا بدولة كوردستان والاعتراف بدولة كُردية؟ سؤال مثير للجدل لطالما اعترف الكتاب الفرنسيون منذ عقود من الزمن.
اعتراف يعيدنا إلى تاريخ مدينة عريقة، سكان قامشلو اعتادوا أن يسمّوا السوق كله باسم سوق عزرا. ففي دكان صغير يملكه العم عزرا، كان يستقبل زبائنه ويتحدث الكُردية مع الكُرد، ويعامل الجميع بالمحبة والصدق.
عرفت الجالية اليهودية في قامشلو باعتزازها بعاداتها وأصالتها، وبصداقتها المعلنة للشعب الكُردي.
ولأن العم عزرا كان مخلصاً في عمله ومتقناً لمهنته، غلب اسمه على السوق كله، فصار السوق يُعرف بـ سوق عزرا منذ عام 1931، وما زال البعض يسمّيه هكذا حتى اليوم.
قامشلو.. مدينة كُردية عريقة تحفظ سرّ اللغة والذاكرة
منذ عقود بعيدة، وإبان الانتداب الفرنسي على سوريا، كانت مدينة قامشلو تتنفس بلغتها الكُردية العريقة. لم تكن الكُردية مجرّد وسيلة للتخاطب، بل كانت الوعاء الذي حمل الذاكرة، الحكاية، والأغنية الشعبية التي يتوارثها الأجداد للأحفاد.
في أسواق قامشلو العتيقة، وفي أزقتها التي لا تزال تعبق برائحة الخبز الطازج، كان الكُردي يخاطب جاره بالكُردية، ويغني مواويله بالكُردية، ويروي للأطفال قصص البطولة والحب بالكُردية. كانت اللغة هنا بيتاً للهوية، وعلامة لا تُمحى من وجدان الناس.
الانتداب الفرنسي، رغم محاولاته في بسط نفوذه، كانت الثقافة الأوروبية في دمشق نشر مجلة كُردية عريقة باللغتين الفرنسية والكُردية.
فالكُرد في قامشلو ظلوا أوفياء للغتهم، يعلّمونها سراً وعلناً ، ويصونون أصالتها بلهجاتها الجمة في الأغاني، في الأمثال الشعبية، وفي الذاكرة الشفهية التي لا تزال حيّة حتى اليوم.
قامت مدينة قامشلو على تنوعٍ غني، لكن روحها بقيت كُردية خالصة. فاللغة كانت وما زالت الشريان الذي يربط أبناءها بتاريخ طويل ضارب في عمق الجغرافيا والتاريخ. ليس غريباً إذاً أن يُنظر إلى قامشلو على أنها عاصمة ثقافية للكُرد في سوريا، ومركز إشعاع للغة التي قاومت سياسات الطمس والتجاهل.
اليوم، حين يذكر اسم قامشلو، تُستحضر مباشرة صورة مدينة متجذرة في الكُردية: لغةً وهويةً وثقافةً. إن هذه اللغة التي حفظت السوق والبيت والأغنية، ما تزال حتى الآن عنواناً لصمود شعبٍ يؤمن أن بقاءه مرهون ببقاء لغته.
والاعتراف اليوم بدولة فلسطينية، ربما قريبا يتم الاعتراف بدولة كردية ولا غرابة، طالما كانت فرنسا تشجع الثقافة عهد الجنرالات الأقوياء منذ الانتداب الفرنسي على المناطق الكُردية.
الاعتراف اليوم بدولة فلسطين يفتح الأفق أمام احتمالات أخرى في خريطة الشرق الأوسط. فليس من المستبعد أن يشهد العالم يوماً ما اعترافاً بدولة كُردية، طالما أنّ الكُرد ظلّوا على امتداد التاريخ شعباً حيّاً بثقافته ولغته وإرادته.
ولا غرابة في ذلك، إذ أن فرنسا ومنذ عهد الانتداب في بدايات القرن العشرين ،كانت تدرك عمق الوجود الكُردي، وتحرص على تشجيع الثقافة والتعليم في المناطق الكُردية. وفي عهد “الجنرالات الأقوياء” إبّان الانتداب شهد محاولات الاهتمام بالثقافة وتعزيز الإدارة المحلية، الأمر الذي ترك أثراً طويل الأمد في مدينة قامشلو والمدن الكُردية الأخرى.
واليوم، حين تعود قضية الاعتراف بالشعوب وحقوقها إلى الواجهة، يستحضر الكُرد تاريخهم الممتد، ويجدون في ذاكرة الانتداب الفرنسي صفحة تؤكد أنّ هويتهم لم تكن يوماً عابرة أو طارئة، بل راسخة في الجغرافيا والتاريخ معاً.






