آراء

رسول الأشباح

عبدالحميد جمو

كان يختبئ خلف ستارٌ من السواد كشبحٍ،؛ ما خلفه كله ظلام. أينما نظرت لا ترى إلا السواد؛ لا شيء يوحي بالحياة: لا أرضٌ، لا شجرٌ، لا مياهٌ، ولا أصواتٌ — إلا صوتَ حشرجته وهو يتنفّس. أما ما دون ذلك كله فَسكونٌ وصمتٌ موحشان يبثّانُ الرهبةَ والخوف. عيناه تلمعان كشُهبٍ ملعونة تنذر بالشؤم. من هولِ الصمتِ تسمع صكصكةَ أسنانهِ وشرقةَ حلقه بوضوح. أترقبُ في خوفٍ؛ أشعر بوقعِ خطواتهٍ وأسمع صوتَ نبضاتِ قلبِه. متيقنٌ أنه يقترب نحوي. أحاول الفرار لكن قدماي متسمرتان، لا تساعدانني على التراجع، أكاد أقع من شدةِ الرهبة.

أحاول التماسك والوقوف وإبداء شجاعةِ المواجهة، لكن جسمي المرتجف وقلبي المرتعد الآيل للسقوط يخونانني. حين تأكدت من عدم جدوى المقاومة استسلمتُ لقدري مكرهاً؛ صمدتُ وانتظرتُ مصيري، صرت أتخيّل بأي طريقة ستكون نهايتي.

يتقدّمُ نحوي ببلادةٍ لا ينطق؛ والسواد يَعمُّ أكثر. مع كل خطوة اقترابِ نبضاتِ قلبي تزداد، وقدماي تقصفان كالرعد ، على مقربةٍ من مساحةِ انهياري !. توقّف

حدّق بي بنظرةٍ عدوانية خبيثة بعينين تقدحان شرراً لم يتحرّك؛ فقط النظرات كافيةٌ لقتل ما بقي في رمقي.
بقي صامتاً لوهلةٍ على هذا الحال، هو ساكنٌ لا يبتِّ ببنتِ شفةٍ، وأنا أذوب رعباً كقطعةِ جليدٍ تحت شمسٍ حارقة. فجأةً لاح من خلفه ضوءٌ باهِت أظهرَ هيئته فزادت مخاوفي أكثر فأكثر: إنسانٌ عملاقٌ ضخمٌ بملامح مخفيةٍ يرتدي عباءةً سوداء لا تفرق عن الظلام الذي خلفه.

هنا هبط قلبي بلحظة مرَّ شريطُ حياتي أمام عيني كأن حجاباً قد كشف عن بصري؛ استرجعتُها في لمح البصر. لا بل ذهبت أكثر من ذلك، صرت أفكر في حتمية نهايتي ومصيري الأبدي بعد أن ينفذ هذا الشبح مهمته. هذا الحدث جعلني أتيقنُ أنه ملك الموت. لكن كذبت أفكاري، ثم قلت: قد يكون قاتلاً مأجوراً أو صيادَ جوائز. وعدتُ وقلت: لكن ما المَشْكِلُ وما الذي سيجنيه من وراء قتلي؟
كانت الأفكار تتزاحم في مخيلتي، وأنا شارد في ذلك الملكوت غائبٌ عن الدنيا.

على حين غرة ، جاءني صوتٌ أجش كالرعد جهوريٌّ خشنٌ. لم أتمالك نفسي بين الشرود واليقظة، انهارَ ذاك الفضاءُ المرعبُ فوقي كدت أن أسقط على الأرض لكني تمالكت نفسي . أول ما نطق قال اسمي مع شيءٍ من الاحترام ورمى التحية بوقارٍ بادٍ أسفٌه لطريقةِ لقائي .

بدون مقدمات قال: ليس لدي المزيد من الوقت ثمة عدة مهام علي إنجازها لذا«سأدخل في صلب الموضوع. أنا مكلّف بأن أعرض عليك مهمة بمثابة عقد واتفاق إن ابديت الموافقة .

سأصنع لك نصباً أضعه وسط المدينة يخلّد اسمك عبر التاريخ وأجعل ذكراك تتداولها الأجيال تلو الأجيال وأغدق عليك الأموال ولتسهيل مهمتك سوف أزرك وأرفدك برجالاتٍ لا يكترثون للحياة، طوعَ أمرك، ورهنَ إشارتك ستكون أنت الآمرُ الناهي؛ كل ما تطلبه مجاب».

ظننتُ أنه يريد إلهائي و تشتيتي ليجد الفرصة المناسبة و ينقض عليّ؛ همست في نفسي ألا داعي فأنا مستسلمٌ، ليس فيّ رمقٍ لأقاوم، وهو أيضاً يعلم ذلك. ما الذي يريدُه مني؟ استجمعت قواي وقلت بصوتٍ مرتجف مُخنوقٌ: «ماذا تريد مني؟»

أجاب: اهدأ لا داعي للخوف «شيءٌ بسيطٌ وليس مستحيلاً».

قلت: «بسيطٌ وليس مستحيل! أ هذا الشي يتطلّب كل هذا الهويل ثم من أنا؟ ماذا يمكنني فعله الظاهر المناط بي ويمكنني إنجازه لتقدّموا لي هذه العطايا؟ ومن أنتم، ولما وقع اختياركم علي دون الناس؟»

قال: «وقع الاختيار عليك، وانتهى. أما نحن فهذا ليس من شأنك! هو مجرد اتفاق بيننا؛ كل منا يتعهّد بالالتزام وتنفيذ الشروط بالحَذافِير دون إخلال أو خطأ. الغلطةُ الواحدة تعني في عرفنا النهاية فقوانينا صارمة لضمان النجاح لا تساهل فيها .
وبالمناسبة سيتلهم هيئةَ التمثال وفق أفعالك وإنجازك».

قلت: «من أفعالي؟ كيف؟»

قال: «أنت من تقرّر كيف؟ أما أن يكون: واثقاً شامخاً مرفوعَ الرأس، رافعاً يديه، إحدى كفّيه مبسوطةٌ متباعدةُ الأصابع، والأخرى شبهُ مضمومةٍ ترفعُ إصبعين كدلالةٍ للنصر. أو تكون مطأطئَ الرأسِ، يديك مسبلتان ونظرك للأسفل وركبتاك مثنيتان».

قلت: «لم أفهم المغزى، هل يمكن أن توضّح؟»
أجاب: «بعد أن نُحرّر العقد ونكتب بنود الاتفاق ستفهم كل شيء. في حال موافقتك لن تستطيع التنصل أو التراجع؛ وستكون ملزماً بالتنفيذ دون أي اعتراض وليس لك الحق في الاستفسار عن أي أمر يوكل إليك بالمقابل ستحصل على كل ما تتمناه وتشتهي ».

قلت: «عذراً قد لا تعرفون طباعي لست همجياً، لم يسبق لي إن فعلت شيء دون دراية ،ولم أخض في موج مبهم، ولم أعتد طوال حياتي أن أدخل في رهان ما لم أكن ضامناً النصر».
قال: «تماماً، وهذا ما دفعنا لاختيارك وتكليفك للقيام بهذه المهمة».

قلت: «طالما أنكم تعلمون أنني لا أتي بأي فعل دون حساب العواقب، يعني أني تحت انتظاركم وتعرفون عني حتى الوافي، إذاً فلنكشف الأوراق ونتحدّث بشفافية. (فهمت من خلال الحديث أنّ الخيار لي — الموافقة أو الاعتذار؟»)
قال: «تماماً، الخيار لك، ولكن أيضاً هناك أمر عليك الالتزام به: الكتمانُ والصمت! وإلا سيكون مصيرك وعائلتك على المحك».
أوضح بسرد خاطف معرفاً بمنظمته: «نحن مجموعة من الأتقياء ووكلاء الله مكلفون بتنفيذ أوامره ؛ مناطٌ بنا محاربةُ الأشرار لنشر السلام على الأرض.

من أهم الأهداف إقناع المشككين وجذبهم للإيمان بطقوسنا والعمل تحت رايتنا؛ بالنسبة لنا لا فرق بين شرير وآخر فلا يوجد شرير قاس وآخر مسالم أو معتدل — في عرفنا الشرير سيء ولا بد من القضاء عليه بغضّ النظر عمّن كان وما يمثّل، وإن كان من أقربِ الأقربين. مطلوبٌ منا بأمر الله أن نبسط قوانيننا على الأرض ويكون الحكمُ لنا التزاماً بأمر الرب. نحن نعمل على هذا المنهج منذ أربعمئة عام متنقلين بين البقاع ننشر رسالتنا المقدسة. الآن حان وقت تنفيذ بنود كتابنا على هذه الرقعة، وأنت اختارك الاله لتكون قائد المرحلة و من وقع الاختيار عليهم هم أحبابُ رسول الرب الذي أوكلت إليه الرسالة».

قلت: «لا زلتُ لم أفهم ما المطلوب مني. أنا انسان بسيطٌ مسالم ؛ ليست لي أي سلطة ولا نفوذ ولا أملك الجاهَ والمال. اتجنب الاحتكاك بمن حولى تفادياً للمشاكل كيف يمكنني أن أكون مؤثراً ؟ ثم ما طبيعة المهمة الموكلة؟»
قال: «لا عليك؛ نحن نضمن لك كل ذلك. المطلوب منك أن تنهي كل تمرد، وكل مطالبة تخالف رؤيتنا و لا توافق أهدافَنا؛ تؤد الفتن ولا تترك مجال للكفرة في نشر رؤاهم ضيق من مساحة الحرية أعلقها، فأفكارهم هدامة لا تتوافق مع شرائعنا، عقيدتهم تعارض عقائدنا. عليك، والمختارون من الإله الأوحد، أن تشتتوا الأفكار، تبثّوا الدعايات، تفرّقوا بين الأمة الواحدة، تخلقوا العداء بين الأسر أغلقوا أمامهم كل السبل لتدفعُوا بهم إلى اليأس،اتبع، كل الطرق لضمان سرعة إنجاز المهمة انشروا الفقر والفساد دمّروا مؤسسات التعليم لوّثوا المياه والطعام؛ عليكم بثّ الشك في النفوس، فقدان الثقة. أهمُّ المطالب منكم أن تجعلوا الناس تعيش في ضياع تنفر من الحياة وتطلب الموت؛حتى لا يبقى أمامهم إلا نحن يلجؤون إلينا طائعين حينما يرون رحمتنا سيكفِّرون بكل المبادئ، ولا يؤمنون إلا برسالتنا».

قلت: رسائل الله تنشر الرحمة وتدعو إلى البناء والخير، نبذ العداوات والضغائن والأحقاد، خلقنا شعوب وقبائل لنتعارف لا لنتصارع لنبني لا لندمر أن نتحابب ونتصافح لا أن تتحارب ونسفك الدماء «تقولون إنكم تحاربون الأشرار وإنكم دعاةُ سلام! إذاً لماذا الحروب والدمار؟ من يطلب السلام يكره الحروب يكره التناحر ويكره الظلم، وأنتم تظلمون و تخربون ،تخالفون شرائع الاله بأفعالكم و أقوالكم؛ تطبّقون على الأرض قوانين منافية لقوانين السماء، تحرفون الحقائق ،تكفرون كل من لا يهتدي بهديكم تعتمدون على الجهلة في الادارة ترفعون من السفلة وتحطّون من شأن الذوات و الأعيان، تحاربون الشرفاء وتولون الانذال، تقتلون الأطفال، تحاربون العلم،تنشرون الجهل والأمراض والفساد والاحقاد تقضون على الأخضرار . تتلاعب ن بموازين الأرض والسماء وتنسبون كل هذه الأفعال إلى الإله .

أيُّ سلامٍ تنشدون؟»

قال: «هذا ركنُ إيماننا. نحن مؤمنون بحتمية الخراب والدمار لبناء جديد خالٍ من الأحقاد وبعيدٍ عن الأطماع. نريد إقامة مجتمعاتٍ مسالمة تعيش بهدوء، متوفِّرٌ لها كل أدوات الراحة والرفاهية خاليةً من الصراعات والنعرات».
قلت: «لا تزال هناك بعض الأشياء لم أفهمها. مثلاً ما القصد من وراء إيماءاتِ النصب المزمع؟»
قال: «أنت لحٍوحٌ جداً، لكن لا بأس سأخفف عنك التوتر وأطلعك فقط على القصد الظاهري منها، ولا تُكثر من الأسئلة. التمثالُ الشامخ يعني الثقةَ والإيمانَ فيما قمت به؛ الابتسامةُ علامةُ الرضا؛ القامة الطويلة كنايةٌ عن الصبر والثبات والإصرار؛ اليد المرفوعة تعني إنهاءَ المهام بنجاح؛ الكفُّ المبسوطةُ تعني رضوخَ واستسلامَ المعارضين وأصبحوا رهن إشارتك ؛ واليد المضمومةُ جزئياً مع رفع إشارة النصر تعني بدءَ الجزء الثاني من الخطة. أما المقترحُ الثاني في التمثال فيعني الهزيمةَ وفشلَ الخطة وأنك متحمل النتائج وجاهزلدفع ثمنِ الأخطاء؛ الإيفاء بشروط الاتفاق الانحناء بمثابة الاستسلام للعقاب؛ اليد المسبلةُ أي أنها خاليةٌ مقرة بالذنب وقابلة للحكم دون اعتراض اومقاومة؛ و الأرجلِ المثنية من الركبة دلالةُ السقوط والانهزام».

قلت: «عليّ أن أعرف قبل أن أقرر: هدفكم دمج المجتمعات والثقافات في ثقافةٍ ومجتمعٍ واحد، لكن ماذا عن الحقوق؟ فهمتُ من كلامكم أنكم من يقرّرون وعلى الجميع الطاعة دون أي تذمر».

قال: «في رؤيتنا المنشودة لا حق لأحد؛ الجميع مكلّفون. لا يسمح لأي كان أن يطالب بشيءٍ ما لم نمنحه أو نطرحه نحن. ولا يجوز طرح أفكارٍ غير أفكارنا، ولا إيمان إلا بمعتقدنا. نحن أتباعُ الإلهِ الأوحد، ونحن فقط نحددالحقوق ونحن من يقرّروا لمن ، ومن لهم الحق في تملك العالم وتيسيره حسب رغبتنا».

قلت: «تكرّرون كثيراً: أنكم من يجب أن يتحكّم بالعالم؛ أي تهمشون بقيةَ الأقوام؛ أنكم ترتقون بأنفسكم إلى مقامِ القدِّيسين وتنظرون إلى بقية الشعوب على أنهم طبقةُ عبيدٍ قذرة خُلِقَت لأجل طاعتكم وخدمتكم».

قال: «لم نكن مخطئين حين اخترنا شخصاً مثلك؛ يبدو عليك النباهةُ والحنكة.يبدو انك مقتنعٌ بأطروحَاتنا ، كانك تبدي موافقة مبدئية للانضمام إلينا».

لم أدرِ ما الذي حدث لي؛ كأني بعثت من جديد أحسست بطاقة غريبة دبَّ الروحُ في جسدي وسارت الدماء في عروقي. أحسست بقوةٍ قلبت كل المخاوف التي سيطرت عليّ إلى شجاعةٍ لا مثيل لها. وقفتُ بثبات وقلت: «اختيارُكم خاطئ. لست أنا من يكفر بمبادئه ويتخلّى عن حقوق شعبه، ولا أنا من يبيع تاريخ أمته مقابل حفنةٍ من المال أو سلطةٍ كاذبة. النفوذ الذي تغروني به هو وقوفي بجانب أمتي جاهي وثروتي وعزوتي ان أكون خادماً لقضايا أمتي خلقنا لأجل هدفٍ وسنبقى نناضل لأجل تحقيقه، ولن تفتر عزيمتنا مهما وضعتم العقبات في طريق طموحنا. نحن أمةٌ لم يشهد التاريخ أنها باعت شبراً من أرضها لغاصبٍ ولا تنازلت عن حق من حقوق أبنائها مهما كان الثمن».

فجأةً كشف الستار، لَاحَ نورٌ أحمرٌ مُتوهِّجٌ من بين الظلام كأنه قادمٌ من فيحِ جهنم. ابتسم ابتسامةً صفراء، ومن طريقةِ حديثه المنفعل أحسست أنّ ملامحه تحت اللثام قد تلاشت. قال: «هناك ممن تدافع عنهم وتفديهم بأغلى الأثمان ،عملوا ويعملون معنا، ولأجل رسالتنا مؤمنون بمعتقدنا الأسمى. هم أنفسهم سوف يحققون ما ترفض أنت وأمثالك أن تقوموا به. لدينا ما يكفي من الرجال والقدرات والأدوات ما يضمن تحقيق أهدافنا. وسوف تخرجون من المعركة خاسرين نادمين».

استدار ونفضَ عباءته بغضبٍ، وقبل أن يسير نادَيته بصوتٍ مدوٍّ: «لو أنكم واثقون من قدراتكم ورجالاتكم لما لجأتم إلينا حين شعرتم بالهزيمة وخاب ظنكم. حين عرفتُم سوء اختياركم وتأكدتم من جهلكم ومدى ضعفكم، حاولتم ميلَ من يؤمنون بالقضية.

عندما فشلتم وغَرِقتم ان الخائن مهما قدم من خدمات فإنه يتحين الفرصةَ للغدر. اختبئوا خلف السواد؛ فانَّ سطوعَ الحقيقةِ تعمي أعينكم. افعلوا ما شئتم من مكائدٍ ومؤامرات، انصبوا الشراك أينما استطعتم، لن تنالوا منا. نحن الناجون من الطوفان ونحن الباقون. يا تلاميذَ إبليس و أعلم؟! إنّ البقاء ليس للأقوى ولا للأدهى، إنما البقاء لأصحابِ الحق.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “339”

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى