
سارة وتغريبة الرحيل
ليلى قمر / ديرك
لم تكن تدري إن كان ماتسمعه في جوف ليلها القاتم بسواده والهادر فيه أصوات تتشابه في تراتيلها كالطلقات النارية الخارقة لهدوء المحيط ، فالجميع حذر ، تعب ويناجي ربه أن يكون هذا الكابوس قد طال في ثوانيه البعيدة منطلقاً من تلك الروحانية التي اعتادوا القيام بها ،
واليوم ! هاهي بصيرتهم لا تدرك بعد هول الفاجعة ! نعم ! فهاهي كل الدور وقد أوصدت فيها الأبواب ثقلى بهموم من قطنوها ! .
كانت تسأل ؟! .. أهي عينها بلدتنا ؟ .. حينا ؟ .. أهو بالفعل دارنا ؟ .. ولكن ؟ وكالعادة ها هو الوجع وقد ترسّخ ألما يزحف ويتمدّد ، ينكمش ويستقرّ فيترسّخ في ذاكرتها الوجلة ! وهي الخائفة أزلاً لفقدان جزء من سرد أو قصة ! ،
فكان العزم في أن توصد ذلك الباب ، ولتبدو الأمور وكأنها عين الهوة السحيقة كانت نائمة حينها ، وكل أحلامها تناثرت لتترسّخ في أطراف ذلك الوادي ، والأيام تحوطها وتهوي بها في تيه عميق ، اختلطت فيها أفكارها ، وضاع منها الأمان الذي اعتادت عليه وهي غافية كانت بين ذراعي أمها ، نعم ! كانت تدرك بشعورها البرئ بأنها تفتقده أو لربما افتقدته ، حدقت بملء مدّ بصرها وعيناها الجميلتان تحملقان في لانهائية ، وهي تغوص ! .. نعم تغوص بلا هوادة في محيط أفكارها ! …
ياإلهي ؟! .. هاي زهوري التي كنت أسقي عطشها بالماء كل صباح لترتوي
وهاهي عصافير الحي التي اعتادت تلكم الحفر الاسمنتية على جدار فسحتك الهادئة وكالذي يدعو لك وبفطرته السليمة يرتوي منتشياً بذلك الماء
نعم ! .. أنها الأشجار تتعانق وتتعارك في مدّ أغصانها الفارعة ، نعم أمي ! … إني أعيش كل هذا مع أني خائفة هائجة لا تدري قدماي على أي أرض هي واقفة ! .. تماسكت .. حاولت أن تهدأ من نفسها وسيل أفكارها العاصفة ، وبكل قوتها وحبها لحيها .. لشارعها الذي احتضن أولى خطواتها والرصيف الذي تعوّد على جنون ممشاها وفي كل ركن تعالت وتأجّجت فيها صخب لعبها وهرولتها .. ياالله ؟! .. ساعدني كي توقظ في كياني ..
كي أخبر أمي .. نعم كي تعلم أمي بأنني مازلت حية ..
وها أنذا أرتب أحلامي من جديد ، لأرويها لها ولهن خالاتي وعماتي وجارات أمي وأبي وأخي حموده …
ياألله ؟! .. الآن أدركت هي لما يداها الصغيرتان باردتان ؟! .. ما هذا المتوحش ؟ .. يا القدر بعسفك الهائج ؟! لقد كان هما أخي حمودة نلعب سويا ! ..
هو الوجع أخي ، وها أنذا أخشى الصحو منه ؟! .. لا لا أخي ! .. لا يا شقيقي ورفيقي أنهض ؟ بالله عليك إنهض وبحق محبتك أنا اختك أناجيك هلم ؟! لنكمل اللعب ، ونرأف بأمنا المسكينة كي لا تثكل فينا يا أخا .. صديقا ورفيقا أنت وكنت .. انهض ؟ نعم حمودة انهض هاهو أبانا ينتظرنا ليطبع قبلته على خدينا .. هيا يا أخي فمازلنا بخير ..
ومع كل هذه الهواجس وأنين الجسد وذلك الصراع المرير وذلك الجدال السريالي مع الذات ، أصرت سارة أن تنهي رحلة تيهها ، وأن تكتب تغريبة بلدها بكلمات تترسّخ كنقش في وجدان كل ذي ضمير وصمة عار في تاريخ كل من ينتهك حقوق شعب أعزل ، تودي بأطفال يلعبون ، والقذائف تتهاوى في محيطهم وحيث أنهم لم يألفوها تجاهلوها وأكملوا لعبهم ..
ركنت سارة وهدأت فيها العواصف وبين المد والجذر وويلات الحرب المطوق لديارها
فتحت سارة عينيها الثقلى بالدموع :
تسأل : ( أمي هل أنا ميتة ؟.
أمي أين حموده أخي لنلعب ؟! . )
و .. كسريالية الرحيل في تغريبة النزوح بدت وكأنها … لم تكتب بعد بدايتها
الخاطرة منشورة في جريدة يكيتي العدد “٣٤٤”






