
سنـجار المحرقة.. صــرخة الضحايا الصامتة وجرح الإنسانية المستمر
زينه عبدي
الإبادة الجماعية ضد الكرد منذ عقود تاريخية لم تكن مجرد جريمة فقط، بل كانت ولا تزال وصمة عار على جبين البشرية جمعاء، وعلى امتداد القرنين العشرين والحادي والعشرين تعرض الشعب الكردي لأعتى الحملات من تطهير عرقي وإبادة جماعية بصورة ممنهجة مستهدفة الهوية والثقافة والوجود الكردي، ما أدى لتسميتها بجرائم ضد الإنسانية. إحدى أبرز هذه الجرائم هي الإبادة ضد الكرد الإيزيديين في صيف عام 2014 حين اجتاح تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” قضاء سنجار ذا الأصول الإيزيدية الواقعة شمال غرب العراق. حيث الخطة الممنهجة والمنظمة استهدفت هذه الجماعة الدينية الأصيلة للنيل من جذروها العريقة ومحوها من الوجود والذاكرة. هذه الجريمة لم تكن مأساة تخص الشعب الكردي فقط، بل بات جرحا إنسانياً نازفاً فضح هشاشة المجتمع الدولي في عجزه التام لحماية هذا المكون بما يوازي حجم وفظاعة هذه الجريمة.
الجرح المفتوح
أحداث الثالث من آب/أغسطس 2014 لم تكن مجرد جريمة زمانية ومكانية انتهت بمرور مدد زمنية على وقوعها، بل هي استمرار حقيقي لمأساة صارخة لا يزال يعيشها الإيزيدون إلى اليوم. فقد مارس تنظيم داعش بحق قضاء سنجار جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان، فالكثير من الشواهد لا تزال حية لما اقترفوه وارتكبوه من إبادة جماعية ضد هذه الجماعة تدل على وحشية أفعالهم من قتل ودفن وخطف النساء بغرض الاستعباد الجنسي أو بيعهن في سوق النخاسة، وحرق ونزوح الآلاف إلى مخيمات باتت أشبه بسجن طويل الأمد.
ولا يزال هناك الآلاف منهم مجهولي المصير من مختفين ومغيبين ومفقودين، كما أن الأجيال الجديدة دخلت بمأزق حقيقي نتيجة تعرضهم لآثار الصدمات النفسية والاجتماعية من هول من جرى. إلى اليوم، ورغم الاعتراف بما جرى كإبادة جماعية من قبل بعض البرلمانات الدولية والأمم المتحدة، إلا أن العدالة بالنسبة لهذه الجماعة الدينية لم تتحقق بعد، فالواقع بات يعكس خذلاناً عالمياً كبيراً بسبب المعاناة الجسيمة التي تعانيها سنجار من صراعات سياسية والخدمات المغيبة والدمار المستمر والنزوح الهائل، فالضحايا صاروا متأرجحين بين حاضر هش منهار ومستقبل مجهول المصير وما بينهما ذاكرة مثقلة بالألم والأمل. ولضمان بقاء هذا المكون الكردي العريق وإنقاذه لا بد من تحقيق للعدالة والاعتراف بحقوقه المشروعة للعيش بكرامة وإنصاف. بمعنى أن الإيزيدي يعيش اليوم على مفترق طرق بين تلك الذاكرة المليئة بالألم وجراح لم تندمل وبين ذاك الأمل في تحقيق العدالة لضمان عدم تكرار ما جرى لأنه ضرورة وجودية لبقاء وإحياء هذه الهوية والوجود.
الانعكاسات نفسياً واجتماعياً
لا تزال آثار تلك الجريمة النفسية والاجتماعية حاضرة وبقوة رغم تجاوزها عقد من الزمن، صدمات نفسية عميقة متمثلة باضطرابات ما بعد الصدمة بالنسبة للناجين/ات وعلى وجه الخصوص الأطفال والنساء، باتت هذه الفئة( الأطفال والنساء) في معاناة دائمة نتيجة تكرار الكوابيس المصحوبة بنوبات الهلع والاضطرابات المرافقة للنوم وفقدان الشغف بالحياة وكذلك الثقة بالآخرين. إضافة لذلك ارتفاع معدل الانتحار والاكتئاب لا سيما ممن يعيش لوحده أو من فقد ذويه بسبب فقدان الأمل والشعور بالذنب من البقاء على قيد الحياة.
تمددت تلك الآثار حتى لامست النسج المجتمعي وفككته، ما ولّد عقبات عاطفية وقانونية لا سيما في تحديد هوية الطفل المولود، الآلاف منهم مفقودين حتى اللحظة، أو نسبة كبيرة منهم كانت نتيجة الاستعباد. تغيرت الأدوار داخل الأسرة الواحدة فثمة نساء صرن معيلات بعد فقدان الزوج لتحملن بذلك حملا ثقيلا محفوفا بالمخاطر الاقتصادية والاجتماعية. ثم أن الثقة المجتمعية أصبحت في أوج تراجعها نتيجة الشعور بالخذلان من قبل المجتمع الدولي والحكومة العراقية، وبالتالي فقدان الثقة بمؤسسات الدولة ولربما بالمكونات الأخرى.
لا تغيب عنا الأزمات التي ولدتها المخيمات كالعزلة نتيجة العيش لفترة زمنية طويلة ضمنها التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة الأساسية، ما وضع الشباب في حالة يأس وشعور بانسداد الآفاق التي من شأنها إنصافهم وبالتالي الغياب الكلي لمستقبلهم التعليمي والمهني.
الأطفال الذين يولدون، أو ولدوا، في مخيمات النزوح يعيشون أعتى الظروف في ظل بيئة غير مستقرة إطلاقاً، وهذا ما يحد من النمو النفسي وكذلك الاجتماعي وإعادة تدوير آثار جرائم الإبادة الجماعية في نفوس الأجيال التالية.
وفي هذا السياق، لا بد من التطرق للذاكرة الجمعية المثقلة والهوية لهذا المكون، حيث المفقود الذي لم يعثر عليه وحالة المقابر الجماعية قد خلقت حزنا عميقا بصورة جماعية. وكذلك هشاشة الثقة في استمرار عادات وتقاليد الديانة الإيزيدية بسبب تدمير وتهالك مزاراتهم الدينية وقتل شيوخهم ووجهائهم، وهذا ما يمكن تسميته بالخوف من الاندثار الثقافي لدى المكون الإيزيدي.
كل هذه الآثار مجتمعةً، تولي الدعم النفسي والاجتماعي أهمية قصوى وتجعلهما إحدى أبرز الأولويات عبر خطوات حقيقية وفاعلة لبناء المجتمع الإيزيدي من جديد كالمصالحة الاجتماعية والتعليم وتمكين النساء وتوفير فرص عمل للفئة الشابة لاستعادة الثقة بذاته أولا وبالعالم ثانياً.
رسالة
إلى الجيل القادم، جميعنا كان شاهداً على الكراهية التي تحولت إلى سلاح فتاك يقتل ويشرد ويستعبد، وكيف كان العالم جمهوراً متفرجا بينما يختفي من الوجود مكون عريق بل ويقتلع من جذوره. وإلى الآن ولا نزال نعيش مع الأم المكلومة التي فقدت ابنها وباتت تفتش عن ملامحه في المقابر، مع المفقودين وصرخاتهم والأطفال وخيباتهم وخوفهم.
رسالتنا اليوم، أننا وإياكم أن نحفظ الذاكرة ولا نسمح للتاريخ بأن ينهي وجودنا أو يخفف أوجاعنا ويزيد من مأساتنا أو يطمس تاريخ ضحايانا، فحكاياتنا التي نسجت بالدم والدموع نتيجة إبادتنا باتت هي تاريخنا. يجب أن نعلم أن الإبادة تقع بالكلمة التي تزرع الكراهية وبالخطابات التي تؤدي إلى الفتن الطائفية والعرقية وبالصمت المبرر للجرائم. هذه الحكايات هي خير دليل على أن الإنسانية لا يمكن قياسها بالعدد الهائل، بل بالقدرة على المواجهة والحماية وحفظ التنوع.
ختاماً، وفي نهاية المطاف تبقى الإبادة الإيزيدية جرحاً عميقاً ونازفاً في الضمائر الإنسانية، فقد امتدت لمحو الهوية وتشويه ذاكرة شعب أصيل وعريق، وستبقى هذه المأساة شاهداً على عجز المجتمع المحلي والإقليمي والدولي عن حماية هذا المكون. تحقيق العدالة له لا يعتبر استحقاقا إنسانيا أو قانونيا، وإنما رسالة جلية بأن حق الحياة والعيش بكرامة وعدل ليس مسألة مساومة، وأن العدالة هي السبيل الوحيد لمنع الإفلات من العقاب ومنع تكرار الإبادات الجماعية بحق الإيزيديين خصوصا والكرد عموماً.
زينه عبدي، صحفية مستقلة وناشطة مدنية





